الباحثة في السوسيولوجيا فاطنة افيد تكتب: كرة القدم كمرآة للتوترات الاجتماعية في المغرب.

في أعقاب نهاية كأس إفريقيا للأمم، وما رافقها من تصاعد مقلق لخطابات عنصرية وإقصائية استهدفت المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء بالمغرب، يقدّم هذا المقال قراءة سوسيولوجية نقدية تتجاوز التفسير الانفعالي للأحداث، وتتعامل معها باعتبارها تعبيرًا عن توترات بنيوية عميقة داخل المجتمع المغربي.
وتقدّم الأستاذة فاطنة أفيد، الباحثة في علم الاجتماع والفاعلة النقابية، مقاربة تحليلية تعتبر كرة القدم واقعة اجتماعية كاشفة لاختلالات القيم، وصراعات الهوية، وتعدد المشاريع الاجتماعية، مؤكدة أن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بالقانون وحده، بل بترسيخ الوعي الحقوقي وفهم التحولات الاجتماعية بعمق ومسؤولية.

المقال كاملا

 

بقلم الاستاذة فاطنة افيد باحثة في السوسيولوجيا

لا يمكن فهم ما رافق نهاية كأس إفريقيا للأمم، عقب الإعلان عن فوز المنتخب السنغالي، من تصاعد خطير لخطابات عنصرية ودعوات لترحيل المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء من المغرب، بوصفه ردّ فعل عاطفيًا معزولًا أو مجرد انزلاق أخلاقي.
فالتحليل السوسيولوجي يدعونا إلى تجاوز التفسير السطحي، والنظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها نتاجًا لتفاعلات بنيوية عميقة، كشفتها لحظة رياضية مشحونة بالرمزية والهوية والانتماء.

أولاً: كرة القدم كـ«واقعة اجتماعية»
يعتبر إميل دوركايم أن بعض الظواهر تُصنَّف باعتبارها وقائع اجتماعية، أي أنها:
خارجية عن الفرد، ملزمة له و تمارس عليه ضغطًا جماعيًا.
ومن هذا المنظور، لا تُختزل كرة القدم في كونها لعبة، بل تصبح طقسًا جماعيًا حديثًا، تنتج فيه الجماعة مشاعر الانتماء، الفرح، الحزن والغضب.
وعند لحظات الهزيمة أو الإقصاء، يتحول هذا الطقس إلى لحظة اختلال توازُن جماعي، حيث تضعف القواعد الضابطة للسلوك (الأنومي)، وتطفو خطابات العنف الرمزي واللفظي.
ما حدث إذن ليس شذوذًا فرديًا، بل تعبيرًا عن توتر اجتماعي جماعي وجد في كرة القدم قناة للتفريغ.

ثانيًا: آلية كبش الفداء والهزيمة الرمزية
تُظهر السوسيولوجيا الكلاسيكية والحديثة أن المجتمعات التي تعاني من:هشاشة اقتصادية، بطالة ، إحساس باللاعدالة و عدم الثقة في المستقبل تميل، في لحظات الإحباط، إلى البحث عن كبش فداء.
في السياق المغربي، وجد هذا الغضب طريقه نحو المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء، لكونهم:فئة اجتماعية ضعيفة، مرئية في الفضاء العام ومحدودة القدرة على الدفاع عن نفسها.
هنا تحولت الهزيمة الرياضية إلى هزيمة رمزية، استُثمرت لإعادة إنتاج ثنائية “نحن” مقابل “هم”.نحن المغاربة (الطيبين الكرماء) وهم الأفارقة ( ناكرو الجميل)

ثالثًا: المجتمع المغربي كمجتمع مركّب
يرى بول باسكون( عالم اجتماع فرنسي مغربي ولد بمدينة فاس، (1985-1932) أن المجتمع المغربي مجتمع مركب، يتشكل من تداخل أنماط اجتماعية وتاريخية متعددة (تقليدية، حديثة، رأسمالية، قرابية)، وهو ما ينتج :تناقضات في القيم، اختلافات في تمثّل الهوية وتوترات في الوعي الجمعي.
انطلاقًا من هذا التصور، يمكن فهم الحملة العنصرية بوصفها تعبيرًا عن صراع داخلي في المجتمع المغربي نفسه، بين تصورين: التصور المنفتح للهوية المغربية (إفريقية، متعددة) وآخر، تصور إقصائي يختزل الانتماء في منطق “الأصالة” و”الحدود” ولكن كرة القدم لم تنشئ هذا الصراع، لكنها كشفته وعرّته.

رابعًا: الهوية والمجال الرمزي
وفق عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو1930-2002، تُعد الرياضة مجالًا رمزيًا (Champ symbolique)، تتقاطع داخله:السلطة، الشرف و الاعتراف الاجتماعي.
إن الهزيمة في هذا المجال لا تُفهم فقط كنقطة في مباراة، بل كجرح في الرأسمال الرمزي للجماعة.وهنا يتحول الغضب إلى خطاب إقصائي، يسعى إلى استعادة التفوق المتخيل عبر إقصاء الآخر الأضعف.

خامسًا: تعدد المشاريع الاجتماعية
يشير رائد علم الاجتماع المغربي محمد جسوس (1938–2014) إلى أن المجتمع المغربي يعرف تعايشا لمشاريع اجتماعية متناقضة:
• مشروع حداثي حقوقي
• مشروع تقليدي محافظ
• مشروع اقتصادي إقصائي
هذا التعدد يخلق تفاوتًا في الوعي الحقوقي، حيث يدافع جزء من المجتمع عن حقوق المهاجرين استنادًا إلى الدستور والقانون الجنائي، في حين يرى جزء آخر أن “الانتماء الوطني” يبرر الإقصاء والعنف اللفظي.
الجدل الحقوقي الذي رافق الحملة ليس صراعًا عرضيًا، بل تجسيدًا لهذا التعدد البنيوي.

سادسًا: السوسيولوجيا النقدية وفهم ما وراء الظاهر
تؤكد عالمة الاجتماع المغربية رحمة بورقية (1949 ) أن وظيفة السوسيولوجيا ليست الوصف، بل الكشف النقدي لما وراء الظواهر الاجتماعية. في هذا السياق، تتيح لنا أعمال الدكتورة بورقية حول القيم والتغير الاجتماعي في المغرب إطارًا تحليليًا بالغ الأهمية لفهم هذا الانفجار الرمزي للعنف بعد حدث رياضي. تؤكد بورقية أن القيم لا تتغير بنفس الوتيرة التي تتغير بها البنيات الاجتماعية أو القوانين، لأنها تستبطن في الوعي والعقليات، وتخضع لزمنية خاصة تتسم بالبطء، بل وبعودة القيم القديمة في صيغ حديثة. وعليه، فإن التناقض الذي ظهر بين الخطاب الحقوقي المدافع عن كرامة المهاجرين، والخطاب الإقصائي الداعي إلى ترحيلهم، لا يعكس انقسامًا أخلاقيًا بقدر ما يعكس تعايش منظومتين قيميّتين داخل المجتمع المغربي: منظومة قانونية حديثة لم تُستدمج بعد في الوعي الجماعي، ومنظومة تقليدية تُعيد إنتاج نفسها في لحظات التوتر والتهديد الرمزي. إن كرة القدم، في هذه الحالة، لم تُنتج العنف، بل كشفت هشاشة التحول القيمي، وأظهرت أن الانتقال إلى قيم المواطنة الكونية لا يزال انتقالًا غير مكتمل.
يبدو أن غياب الوعي الحقوقي يجعل القانون “نخبويًا”، بينما يتحول العنف الرمزي إلى ممارسة عادية. إن ما نعاينه من خطابات عنصرية ليس ارتدادًا عن الحداثة بقدر ما هو تعبير عن بطء التغير القيمي، حيث يسبق القانونُ الوعيَ، وتسبق النصوصُ العقليات، كما تشير إلى ذلك رحمة بورقية في تحليلها لتحولات القيم في المجتمع المغربي.

سابعًا: السوشيال ميديا وتدويل الغضب
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مضاعفًا في:تضخيم الخطابات المتطرفة، خلق إحساس زائف بالأغلبية و تأجيج منطق “نحن مستهدفون”.
كما أن الحملات المضادة من بعض الدول الجارة تُغذي الشعور بالتهديد، فيتحول النقاش من مسألة إنسانية إلى صراع هوياتي إقليمي.

ختاما:
تكشف هذه الظاهرة أن كرة القدم، باعتبارها واقعة اجتماعية، قادرة على :توحيد المجتمع أو فضح تصدعاته العميقة.
وما حدث بعد نهاية “الكان” ليس أزمة مهاجرين فقط، بل أزمة وعي جماعي، حيث تلتقي الهشاشة الاجتماعية، وضعف التربية الحقوقية، وأزمة الهوية، في لحظة رمزية واحدة.
إن مواجهة هذه الظواهر لا تكون فقط بالقانون، بل بإعادة الاعتبار للتربية المدنية وترسيخ السوسيولوجيا في النقاش العمومي لفهم الهوية المغربية كهوية تاريخيًا إفريقية ومتعددة منفتحة على فضاءها المغاربي والمشرق والفضاء الاورومتوسطي.
فالمجتمع الذي لا يُحسن إدارة الاختلاف، لن يُحسن إدارة الشعور بالهزيمة .

 

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *