ضحايا الشكايات الكيدية من رؤساء المجالس… البراءة لا تكفي والمساءلة ضرورة

بقلم: ابو أنس المغربي

في سياق تدبير الشأن العام المحلي، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة تتمثل في توظيف الشكايات الكيدية ضد عدد من رؤساء المجالس الترابية، في إطار صراعات سياسية أو حسابات ضيقة تُلبس لبوس القانون. وقد تعزز هذا النقاش مؤخرًا مع صدور أحكام بالبراءة في قضايا مرتبطة بجرائم الأموال، من بينها قضايا شغلت الرأي العام، مثل قضية رئيس جماعة القصر الكبير محمد السيمو، وكذا الرئيس السابق لجماعة الحوافات العيدودوي، وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري: هل تكفي البراءة لإنصاف الضحايا، أم أن العدالة تقتضي مساءلة من يقفون وراء الشكايات الكيدية؟

إن مبدأ قرينة البراءة، الذي يشكل أحد أعمدة العدالة، مكفول بموجب الفصل 23 من الدستور المغربي، كما تؤكده المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 11) و**العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية** (المادة 14)، غير أن هذا المبدأ يتعرض عمليًا للاهتزاز عندما تُستعمل الشكايات الكيدية كأداة للنيل من الخصوم، بما يشكل اعتداءً غير مباشر على سمعة الأفراد وكرامتهم، حتى قبل أن يقول القضاء كلمته النهائية.

وقد تنبه المشرع المغربي إلى خطورة هذا السلوك، فنص في الفصل 445 من القانون الجنائي المغربي على تجريم الوشاية الكاذبة، باعتبارها فعلاً يمس بنزاهة العدالة ويقوض الثقة فيها، كما أقر في الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود المغربي مبدأ المسؤولية المدنية عن الأضرار الناتجة عن الأفعال غير المشروعة، بما يتيح للمتضررين المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحق بهم نتيجة هذه الشكايات.

ولا تقف المسألة عند حدود القانون الوطني، بل تمتد إلى المعايير الدولية التي تؤكد أن الحق في التقاضي يجب أن يُمارس بحسن نية، وأن أي انحراف به نحو الكيد أو الانتقام يُعد مساسًا بجوهر العدالة وبحقوق الإنسان، خاصة الحق في المحاكمة العادلة، والحق في السمعة، والحق في المشاركة في تدبير الشأن العام. وقد حذرت هيئات أممية من توظيف الآليات القانونية كوسيلة للضغط أو التضييق على الفاعلين السياسيين، لما لذلك من أثر سلبي على المسار الديمقراطي.

إن الشكايات الكيدية لا تضر بالأشخاص المستهدفين فقط، بل تمتد آثارها إلى المؤسسات، حيث تُعطل السير العادي للجماعات الترابية، وتُضعف ثقة المواطنين في المنتخبين، وتخلق مناخًا من التخويف قد يدفع العديد من الكفاءات إلى العزوف عن تحمل المسؤولية العمومية.

من هنا، فإن الاكتفاء بأحكام البراءة لا يكفي لتحقيق العدالة، بل يتعين استكمال المسار بمساءلة كل من ثبت تورطه في تقديم شكايات كيدية، سواء عبر المتابعة الجنائية بتهمة الوشاية الكاذبة أو من خلال المطالبة بالتعويض المدني. فربط المسؤولية بالمحاسبة يقتضي ألا يقتصر على المنتخبين، بل يشمل أيضًا كل من يُسيء استعمال آليات العدالة لتحقيق أغراض غير مشروعة.

إن دولة الحق والقانون لا تُقاس فقط بقدرتها على إنصاف الأبرياء، بل أيضًا بمدى قدرتها على رد الاعتبار لهم ومحاسبة من تسبب في ظلمهم. ولذلك، فإن حماية العمل السياسي والمؤسساتي تمر حتمًا عبر وضع حد لظاهرة الشكايات الكيدية، وترسيخ ثقافة قانونية قائمة على المسؤولية والنزاهة واحترام حقوق الإنسان.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *