بقلم: ادريس السدراوي
رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان (استشارية بالأمم المتحدة)
شكاية بكندا توقف محتوى الفرشة
أثارت الشكاية التي تقدّم بها المحامي عبد الفتاح زهراش ضد عبد المجيد التورناتي صاحب قناة وصفحة الفرشة أمام القضاء الكندي، عبر محامٍ مغربي مقيم بكندا، نقاشًا واسعًا حول سُبل مواجهة التشهير في الفضاء الرقمي العابر للحدود.
وبحسب ما تم تداوله، فقد أفضت المسطرة الاستعجالية إلى اتخاذ إجراءات تقضي بحذف محتوى ووقف تداوله، وهو ما يعكس فعالية اللجوء إلى آليات قانونية دولية عندما تُفعَّل بشكل دقيق وسريع.
هذه الواقعة تبرز حقيقة أساسية: أن إيقاف المحتوى الرقمي المسيء ممكن عندما تتوفر الإرادة القانونية والخبرة في تفعيل المساطر، كما تكشف عن تطور دور القضاء في مواكبة التحولات الرقمية، حيث لم يعد الفضاء الافتراضي خارج نطاق المساءلة.
وفي هذا السياق، نعبّر عن تضامننا مع ما تعرّض له من تشويه للسمعة ومسّ بالحياة الخاصة والاعتبار الشخصي، مع التأكيد على إدانة كل الممارسات التي تنزلق نحو التشهير أو الإساءة، لما تشكّله من انتهاك للحقوق الأساسية وتقويض لقيم النقاش المسؤول.
خطاب رقمي مثير للجدل وحدود النقد
بالعودة الى مضامين صفحة “الفرشة” البئيسة والحقيرة للمشهر المبتز عبد المجيد التورناتي، التي تتجاوز حدود النقد المشروع إلى تعبيرات حادة أو مسيئة تجاه أشخاص ومؤسسات عمومية بما فيهم رموز الوطن وقيادات الأمن والدرك.
إن ايماني بحرية التعبير كمدافع عن حقوق الإنسان تبقى ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى غطاء للمساس بسمعة الأفراد أو هيبة المؤسسات. فالنقد الحقيقي يُبنى على الوقائع والحجج، لا على الاتهامات أو الإثارة بل يعتبر جريمة تستحق العقاب والردع لأنن إن تحويل الفضاء الرقمي إلى منصة للتشهير أو الابتزاز يمثل انحرافًا خطيرًا عن دور الإعلام، سواء كان تقليديًا أو بديلاً, فكل الممارسات التي تستهدف الأفراد—ومنهم المحامي عبد الفتاح زهراش—أو غيرهم، عبر محتوى يفتقر إلى الإثبات ويقوم على الإساءة، يجب أن تُواجَه بالحزم القانوني اللازم.
كما أن حماية السمعة ليست امتيازًا لفئة دون أخرى، بل حق مكفول للجميع، وهو ما يفرض التصدي لكل أشكال التشهير، أيا كان مصدرها أو هدفها، لما لها من أثر مدمر على الثقة المجتمعية وعلى مصداقية النقاش العمومي وأخص بالذكر ممارسات صاحب قناة “تحفة شو” ومجموعة من المشهرين الذين يغلفون تشهيرهم وابتزازهم بدعاية الدفاع عن الوطن والتوفر على الدلائل.
الإنتقائية في سلوك المساطر , وسؤال من الأهم الذات ام الوطن
غير أن هذه القضية، إلى جانب بعدها القانوني، تفتح بابًا لأسئلة أكثر حساسية وجرأة, ففي الوقت الذي نجح فيه المحامي عبد الفتاح زهراش في تفعيل مساطر دولية أفضت إلى إيقاف محتوى اعتُبر مسيئًا لشخصه وهو الشخصية العمومية المعروفة في الإعلام المغربي والذي يؤكد ايضا من خلال تصريحاته دفاعه عن الوطن وثوابته، يطرح الرأي العام تساؤلًا لا يمكن تجاهله:
لماذا لم أظهر هذا الحزم والفعالية عندما تعلق الأمر بالإساءة الفردية، بينما لا نرى نفس الدينامية—على الأقل بالوضوح نفسه—عندما يتعلق الأمر بما يُتداول من مضامين تمسّ، بحسب ما يُنسب إليها، رموز الدولة ومؤسساتها بما فيهم جلالة الملك محمد السادس والقيادات الأمنية بما فيهم السيد المدير العام للامن الوطني عيد اللديف الحموشي وغيرهم؟
إن السؤال هنا ليس اتهامًا، بل مساءلة مشروعة حول اتساق السلوك القانوني:
- هل يتم توظيف نفس الآليات والخبرة في جميع الحالات؟
- هل هناك حسابات ما لترك محتويات رقمية مسيئة لرموز الوطن تسئ لنا جميعا كمواطنين معاربة؟
وتأخذ اسئلتنا مشروعيتها حين تأكدت القدرة على إيقاف محتوى رقمي عبر القضاء الدولي، حيث يصبح من الطبيعي أن يُطرح سؤال التعميم:
هل نحن أمام استخدام انتقائي للوسائل القانونية، أم أن هناك اعتبارات أخرى تتحكم في توقيت وطبيعة التحرك؟ ولماذا تحركت العديد من القنوات على اليوتوب “بعضها ايضا متخصص في التشهير” للدفاع عن الأستاذ عبد الفتاح زهراش أكثر من دفاعها عن جلالة الملك محمد السادس وعن القيادات الأمنية وشخصيات بارزة في الدولة المغربية؟؟
نحو آليات قانونية فعّالة وطنياً ودولياً
إن ما تكشفه هذه القضية يتجاوز مجرد البحث عن توازن نظري بين حرية التعبير وحماية السمعة، ليطرح حاجة ملحّة إلى بناء آليات قانونية ناجعة وقابلة للتفعيل على المستويين الوطني والدولي، قادرة على التصدي لكل أشكال التشهير، سواء استهدفت المواطنين أو المسؤولين أو المؤسسات.
فالتحدي اليوم لم يعد يقتصر على سنّ القوانين، بل يتجلى أساسًا في تفعيلها عبر تعاون عابر للحدود يقوم على تطوير شراكات عملية مع وزارات العدل في الدول الأجنبية، وتعزيز التنسيق مع النيابات العامة، وتوسيع مجالات التعاون القضائي الدولي لملاحقة الجرائم الرقمية؛ وفي هذا السياق، يبرز أيضًا تشبيك المجتمع المدني المغربي مع نظيره الدولي كعنصر حاسم يتيح تبادل الخبرات وتوحيد الجهود، بما يسهم في بناء جبهة قانونية وحقوقية قادرة على مواجهة حملات التشهير المنظمة، خصوصًا تلك التي تستهدف صورة الوطن أو تمس برموزه ومؤسساته.وفي الآن نفسه، يقتضي هذا المسار قدرًا من الوضوح والصرامة في ترتيب البيت الداخلي، من خلال القطع مع كل الممارسات التي توظّف خطاب “الدفاع عن الوطن” كغطاء لخدمة مصالح ضيقة أو شبكات نفوذ غير شفافة. فحماية الوطن لا يمكن أن تُختزل في شعارات، بل تتطلب التزامًا أخلاقيًا ومؤسساتيًا حقيقيًا، قائمًا على النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن مواجهة التشهير لا تنفصل عن تعزيز المصداقية؛ لأن أي التباس بين الدفاع المشروع عن الوطن واستغلاله لتحقيق مصالح خاصة، قد يضعف الجبهة الداخلية ويُفقد الخطاب الحقوقي والإعلامي قوته وشرعيته. ومن هنا، فإن بناء جبهة قوية وفعالة يمرّ أيضًا عبر تنقية الفعل المدني من الانتهازية، وضمان استقلاليته، حتى يكون في مستوى التحديات التي يفرضها الفضاء الرقمي والصراعات المرتبطة به.