ثوابت -عدالة
في سياق دينامية إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، كشفت رئاسة النيابة العامة عن مخططها الاستراتيجي للفترة الممتدة ما بين 2026 و2028، باعتباره وثيقة مرجعية تؤطر توجهاتها الكبرى، وتروم تعزيز استقلال السلطة القضائية والارتقاء بأدائها، بما يستجيب للتحولات الوطنية والدولية، ويواكب تطلعات المجتمع إلى قضاء فعال ومنصف.
مرجعية دستورية وتوجيهات ملكية
يستند هذا المخطط إلى التوجيهات الملكية السامية التي وردت في خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لثورة الملك والشعب (20 غشت 2009)، والتي أكدت على ضرورة “توطيد الثقة والمصداقية في قضاء فعال ومنصف، باعتباره حصنًا منيعًا لدولة الحق والقانون، وعمادًا للأمن القضائي والحكامة الجيدة، ومحفزًا للتنمية”.
كما يندرج ضمن تنزيل مقتضيات دستور 2011، الذي كرس مبدأ استقلال السلطة القضائية، وعزز من مكانة النيابة العامة باعتبارها طرفًا أساسيًا في حماية الحقوق والحريات.
مقاربة تشاركية وأهداف استراتيجية
اعتمدت رئاسة النيابة العامة في إعداد هذا المخطط مقاربة تشاركية، همّت مختلف الفاعلين داخل منظومة العدالة، بهدف بلورة رؤية مندمجة ترفع من نجاعة الأداء القضائي، وتكرس شعار “قضاء في خدمة المواطن”.
ويروم المخطط تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، من أبرزها:
- تعزيز حماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية؛
- الرفع من أداء النيابات العامة لدى مختلف محاكم المملكة؛
- تأهيل الموارد البشرية وتحسين جودة التكوين؛
- تحديث أساليب العمل عبر إدماج التكنولوجيا الحديثة؛
- تعزيز الثقة في العدالة كمرفق عمومي حيوي.
تسعة توجهات كبرى لإصلاح شامل
يرتكز المخطط الاستراتيجي على تسعة محاور رئيسية تشكل خارطة طريق واضحة للإصلاح، وهي:
- تعزيز الثقة في النيابة العامة وتحسين فعاليتها؛
- تعزيز حماية الحقوق والحريات؛
- تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد؛
- حماية الفئات الخاصة، لاسيما النساء والأطفال؛
- حماية النظام العام الاقتصادي وتشجيع الاستثمار؛
- تأهيل الموارد البشرية وترشيد تدبير الميزانية؛
- الرقمنة وإدماج التكنولوجيا الحديثة في العمل القضائي؛
- تعزيز التعاون القضائي الدولي وتطوير الشراكات؛
- تعزيز التواصل المؤسساتي والانفتاح على المواطنين.
30 ورشًا لتنزيل فعلي وقياس الأداء
ولتفعيل هذه التوجهات، يتضمن المخطط ثلاثين ورشًا عمليًا موزعة على مختلف المحاور، مع تحديد أهداف دقيقة ومؤشرات قابلة للقياس، بما يضمن تتبع التنفيذ وتقييم الأداء بشكل دوري.
وتعكس هذه المقاربة الانتقال من منطق التدبير التقليدي إلى منطق التدبير المرتكز على النتائج، بما يعزز النجاعة القضائية ويرسخ مبادئ الحكامة الجيدة.
نحو عدالة رقمية ومنفتحة
يشكل إدماج التكنولوجيا الحديثة أحد أبرز مرتكزات هذا المخطط، حيث تسعى رئاسة النيابة العامة إلى تطوير خدمات رقمية لفائدة مرتفقي العدالة، وتحديث نظم العمل الداخلية، بما يساهم في تسريع الإجراءات وتحسين جودة الخدمات.
كما يراهن المخطط على تعزيز التواصل المؤسساتي، بهدف تقريب النيابة العامة من المواطن، وترسيخ الشفافية، والرفع من منسوب الثقة في العدالة.
تتويج لمسار الاستقلال وبداية مرحلة جديدة
يأتي هذا المخطط تتويجًا لمسار استقلال النيابة العامة الذي انطلق سنة 2017، والذي راكم تجربة مهمة على مدى ما يقارب عقدًا من الزمن، مما يجعل هذه المرحلة بمثابة جسر نحو “العشرية الثانية” من الإصلاح.
وفي هذا الإطار، تسعى رئاسة النيابة العامة إلى تثمين المكتسبات المحققة، والانخراط في أوراش جديدة تواكب التحولات الكبرى، وتؤهلها للقيام بدورها الدستوري داخل النسيج المؤسساتي الوطني، بتنسيق وثيق مع باقي مكونات منظومة العدالة.
خلاصة
يمثل المخطط الاستراتيجي 2026-2028 خطوة نوعية في مسار تحديث العدالة بالمغرب، ورهانًا حقيقيًا على بناء قضاء أكثر فعالية وإنصافًا، قادر على حماية الحقوق والحريات، ودعم التنمية، وترسيخ دولة القانون.