بقلم: ادريس السدراوي
رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الانسان

مقدمة: كرونولوجيا الإصلاح من الإعلان إلى الاحتجاج
منذ الإعلان عن توجه الحكومة نحو مراجعة قانون مهنة المحاماة في إطار ما قُدِّم باعتباره إصلاحاً لمنظومة العدالة، أثار مسار إعداد المشروع نقاشاً متصاعداً داخل الأوساط المهنية والحقوقية، خاصة مع تسريب مضامين أولية للمقتضيات المقترحة التي مست شروط الولوج للمهنة، وتنظيم الأتعاب، والمساطر التأديبية، وبعض الجوانب التنظيمية المرتبطة بتدبير المهنة. ومع انتقال المشروع إلى مراحل متقدمة دون فتح نقاش تشاركي مؤسساتي واسع يضم هيئات المحامين والجمعيات المهنية للقضاة ومكونات المجتمع الحقوقي، تصاعدت حدة التوتر، لتتحول إلى وقفات احتجاجية وإضرابات وطنية خاضها المحامون في عدد من هيئات المملكة، معتبرين أن منهجية إعداد النص افتقدت لمقاربة تشاركية حقيقية، وأن عدداً من مقتضيات المشروع تمس باستقلال المهنة وبالتوازنات الأساسية داخل منظومة العدالة. وقد جعل هذا السياق من المشروع ليس فقط موضوع نقاش مهني، بل أيضاً قضية حقوقية مرتبطة بمدى احترام المعايير الدولية لاستقلال المحاماة وضمانات المحاكمة العادلة.
المرجعية الدولية لاستقلال المحاماة وضمان المحاكمة العادلة
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في المادة 14، على حق كل شخص في محاكمة عادلة، بما في ذلك الحق في الاستعانة بمحام يختاره بحرية، وهو ما يفترض وجود مهنة محاماة مستقلة وقادرة على أداء مهامها دون أي تدخل أو ضغط غير مبرر. كما تؤكد المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين المعتمدة من طرف الأمم المتحدة سنة 1990، خصوصاً المبادئ 16 و24 و27، ضرورة تمكين المحامين من أداء وظائفهم دون مضايقة أو تدخل، وضمان استقلال الهيئات المهنية في تدبير شؤونها التنظيمية والتأديبية.
وقد شدد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني باستقلال القضاة والمحامين، في تقاريره الموضوعاتية، على أن التشريعات المنظمة للمهنة ينبغي أن تمتنع عن فرض قيود غير متناسبة على الولوج إلى المهنة أو إدخال آليات رقابية يمكن أن تؤثر على استقلال الهيئات المهنية، مع التأكيد على أن أنظمة المساءلة التأديبية يجب أن تُدار أساساً من داخل المهنة مع توفير ضمانات المحاكمة العادلة.
الالتزامات الدستورية للمغرب في حماية استقلال الدفاع
يكرس الدستور المغربي لسنة 2011 عدداً من الضمانات المرتبطة بالمحاكمة العادلة واستقلال العدالة، حيث ينص الفصل 120 على حق كل شخص في محاكمة عادلة، كما يؤكد الفصل 118 ضمان حق التقاضي للجميع، فيما تنص الفصول من 107 إلى 110 على استقلال السلطة القضائية. كما تقر ديباجة الدستور بسمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، وهو ما يفرض على المشرع الوطني ملاءمة النصوص القانونية مع الالتزامات الدولية المرتبطة بضمان استقلال الدفاع والولوج إلى العدالة.
مقتضيات مشروع القانون محل الجدل في ضوء المعايير الدولية
تثير بعض المقتضيات المتداولة في مشروع القانون نقاشاً حقوقياً، خاصة تلك المتعلقة بتشديد شروط الولوج إلى المهنة، وإعادة تنظيم نظام تحديد الأتعاب، وتوسيع بعض آليات المتابعة التأديبية، إذ قد يُخشى أن تؤدي هذه الإجراءات، إذا لم تُضبط بضوابط التناسب والاستقلال المؤسسي، إلى التأثير على استقلال المهنة أو إلى تقليص قاعدة الولوج إليها، بما يتعارض مع التوجهات التي أوصى بها المقرر الأممي المعني باستقلال القضاة والمحامين، والتي تؤكد ضرورة أن تكون القيود المفروضة على المهنة محدودة ومبررة وضرورية فقط لضمان الجودة المهنية وليس للتحكم في الولوج أو التأثير في أداء المحامين.
كما أن أي تدخل تشريعي قد يمس باستقلال الهيئات المهنية في تدبير شؤونها التأديبية أو المالية ينبغي أن يخضع لاختبار التوافق مع المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين، التي تنص على أن الهيئات المهنية للمحامين يجب أن تكون قادرة على إدارة شؤونها بحرية ودون تدخل خارجي غير مبرر.
توصيات موجهة لهيئات المحامين والمجتمع المهني
وإلى جانب الأشكال النضالية الميدانية التي تبقى حقاً مشروعاً للدفاع عن استقلال المهنة، تبرز الحاجة الملحة إلى مرافقة هذا المسار بمواجهة فكرية وأكاديمية منظمة، تقوم على إنتاج معرفة قانونية رصينة قادرة على التأثير في النقاش التشريعي والعمومي. وفي هذا الإطار، تظل هيئات المحامين مدعوة إلى تنظيم موائد مستديرة وطنية وجهوية تجمع المهنيين والقضاة والباحثين والفاعلين الحقوقيين، وإعداد مذكرات قانونية ودراسات تحليلية مفصلة تستند إلى التزامات المغرب الدولية، وخاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين، وتوصيات المقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، مع تقديم مقترحات تعديل دقيقة ومعللة قانونياً للمقتضيات محل الجدل.
كما يكتسي أهمية خاصة تعزيز التنسيق بين هيئات المحامين والجمعيات المهنية للقضاة والجامعات ومراكز البحث القانوني، بما يسمح ببناء جبهة معرفية مشتركة تدافع عن استقلال العدالة ومقومات المحاكمة العادلة، إلى جانب إطلاق مبادرات للترافع المؤسساتي لدى البرلمان والهيئات الدستورية المعنية، وإعداد تقارير موازية تُرفع إلى الآليات الدولية لحقوق الإنسان عند الاقتضاء، بما يسهم في جعل إصلاح مهنة المحاماة جزءاً من نقاش حقوقي مؤسس على المرجعيات الدستورية والدولية، لا مجرد نقاش مهني ظرفي.
خاتمة
إن إصلاح مهنة المحاماة يظل ضرورة تشريعية لتطوير منظومة العدالة، غير أن نجاحه يظل رهيناً باحترامه للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولمقتضيات الدستور، وللمبادئ الأساسية لاستقلال الدفاع، إضافة إلى اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية مع الهيئات المهنية والفاعلين الحقوقيين، بما يضمن إخراج نص قانوني متوازن يعزز الثقة في العدالة ويصون دور المحاماة كركيزة أساسية لدولة الحق والقانون.