الرياضة بين رسالة التقارب واستغلال السياسة: حين تتحول الملاعب إلى منصات صراع

بقلم: إدريس السدراوي

أقيمت يوم 13 فبراير 2026، على أرضية ملعب نيلسون مانديلا بالعاصمة الجزائرية، مباراة استعراضية جمعت قدماء لاعبي المنتخب الجزائري بفريق قُدِّم على أنه “منتخب الصحراء الغربية”، في حدث أثار جدلاً واسعاً ليس بسبب نتيجته الرياضية، بل بسبب الدلالات السياسية التي رافقته، والتي اعتبرها متابعون توظيفاً واضحاً لفضاء رياضي يفترض أن يبقى مجالاً للتقارب بين الشعوب لا ساحة لتصدير الخلافات الإقليمية.

الجدل الذي أثير حول هذه المباراة لا يتعلق بالمنافسة الرياضية في حد ذاتها، وإنما بطبيعة الفريق الذي جرى تقديمه، إذ لا يحظى بأي اعتراف من الهيئات الدولية المنظمة لكرة القدم، سواء من الاتحاد الدولي لكرة القدم أو من الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، كما أن الكيان الذي نُسب إليه هذا الفريق لا يتمتع باعتراف أممي كدولة مستقلة. ورغم ذلك جرى تقديمه داخل ملعب رسمي وبحمولة رمزية سياسية واضحة، في خطوة اعتبرها كثيرون محاولة لإضفاء مشروعية رمزية عبر حدث رياضي لا سند قانوني دولي له.

وتنص الأنظمة الأساسية للاتحاد الدولي لكرة القدم بوضوح على ضرورة حياد اللعبة ورفض توظيفها في النزاعات السياسية، باعتبار أن كرة القدم، شأنها شأن باقي الرياضات، تقوم على قيم التلاقي الإنساني والاحترام المتبادل وتعزيز جسور التواصل بين الشعوب. كما يؤكد الميثاق الأولمبي بدوره أن المنافسات الرياضية يجب أن تبقى بعيدة عن كل أشكال الدعاية السياسية أو محاولات الاستغلال الإيديولوجي، حمايةً لرسالة الرياضة الكونية التي تتجاوز الحدود والخلافات.

ومن منظور القانون الدولي، فإن مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، خاصة تلك المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين وتشجيع الحلول السلمية للنزاعات، تدعو الدول إلى تجنب كل الممارسات التي قد تسهم في تأجيج التوترات الإقليمية، والعمل بدل ذلك على دعم مسارات التسوية القائمة على الحوار الواقعي والتوافق السياسي المسؤول.

وتأتي هذه الواقعة في سياق دولي متحوّل يتجه بشكل متزايد نحو دعم الحلول الواقعية للنزاعات الإقليمية، وعلى رأسها مبادرات التسوية السياسية التي تفتح آفاق الاستقرار والتنمية والاندماج الإقليمي لشعوب المنطقة، بعد سنوات طويلة من التوترات التي كلّفت المنطقة خسائر بشرية واقتصادية كبيرة وأخّرت فرص التعاون المغاربي المنشود.

إن تحويل مباراة كرة قدم إلى منصة رسائل سياسية لا يخدم الرياضة ولا يخدم السلم الإقليمي، بل يعمّق حالة الاستقطاب ويُسيء إلى القيم النبيلة التي قامت عليها المنافسات الرياضية عبر التاريخ. فالملاعب يجب أن تبقى فضاءات للفرح المشترك والتقارب الإنساني، لا ساحات لصناعة شرعيات رمزية أو تصدير صراعات سياسية خارج الأطر القانونية الدولية المعترف بها.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *