قراءة تحليلية في واقع النادي القنيطري بين النقد المشروع وحملات الإطاحة المتكررة
بقلم: إدريس السدراوي
فكلما بدأت نتائج النادي القنيطري لكرة القدم تسوء، ترتفع أصوات تطالب بإقالة الرئيس، وكأن تغيير الأشخاص أصبح الحل الجاهز لكل أزمة، وكأن مشاكل الكاك تختزل دائماً في فرد واحد، لا في منظومة كاملة تراكمت اختلالاتها عبر سنوات طويلة من عدم الاستقرار والتجاذبات.
هذا النقاش يتكرر اليوم بنفس الحدة التي عرفها النادي في مراحل سابقة، ما يفرض العودة إلى الذاكرة القريبة لاستخلاص الدروس قبل اتخاذ مواقف قد تبدو آنية لكنها تحمل آثاراً بعيدة المدى على مستقبل الفريق.
حين قاد الغضب إلى كارثة رياضية
خلال الفترة ما بين 2008 و2012، عاش الكاك موجة احتجاجات قوية انتهت بإسقاط الرئيس تحت ضغط الشارع الرياضي. يومها اعتُبر الأمر انتصاراً للجماهير، لكن ما تلا ذلك كان العكس تماماً: فراغ في التسيير، تعاقب رؤساء دون رؤية، تراكم ديون، وفقدان تدريجي لهوية النادي، انتهى بسقوطه إلى قسم الهواة في واحدة من أصعب لحظات تاريخ الفريق.
ومع مرور الزمن، اتضح أن تلك المرحلة لم تكن فقط نتيجة غضب رياضي مشروع، بل تداخلت فيها حسابات ضيقة وأيادٍ سياسية تحركت بشكل خفي، مستغلة الحماس الجماهيري لتحقيق أهداف لا علاقة لها بمصلحة الكاك. واليوم، ومع عودة نفس الخطابات ونفس الدعوات إلى الإقالة كلما تعثرت النتائج، يبدو وكأن التاريخ يحاول إعادة نفسه، خصوصاً قبل بعض المحطات الحساسة التي تعرفها المدينة.
الدفاع عن الاستقرار لا يعني غياب المحاسبة
الدفاع عن الرئيس حكيم دومو اليوم لا يعني إنكار وجود اختلالات أو إعفاء المكتب المسير من المسؤولية. فالكاك يحتاج إلى مزيد من الشفافية، وتحسين التواصل مع الجماهير، وتقييم موضوعي للاختيارات الرياضية والتقنية، والعمل على تحقيق نتائج تليق بتاريخ النادي.
لكن تحميل الرئيس وحده مسؤولية كل التعثرات يبقى اختزالاً مريحاً لمشاكل أعمق، لأن الأندية لا تُدار فقط بالإرادة الفردية، بل بمنظومة دعم اقتصادي ومجتمعي ومؤسساتي متكاملة.
قول كلمة حق في حق الرئيس لا يتناقض مع المطالبة بالإصلاح، بل يهدف إلى حماية الاستقرار الضروري لأي مشروع رياضي جاد، خاصة بعدما أثبتت التجربة السابقة أن الهدم أسهل بكثير من البناء، وأن نتائج الإقالة تحت الضغط قد تكون كارثية.
أزمة الدعم… الحلقة الغائبة في النقاش
من بين القضايا التي لا تحظى بالنقاش الكافي، ضعف الدعم الاقتصادي للنادي رغم التحولات الصناعية الكبرى التي تعرفها مدينة القنيطرة، خصوصاً داخل المنطقة الصناعية الحرة بأولاد بورحمة التي تضم شركات وطنية ودولية كبرى.
غياب مساهمة فعالة لهذه المقاولات في دعم الرياضة المحلية، والنادي القنيطري على وجه الخصوص، يطرح تساؤلات مشروعة حول دور الفاعل الاقتصادي في محيطه الاجتماعي. ففي أغلب المدن الكروية الناجحة، يشكل القطاع الخاص ركيزة أساسية للاستقرار المالي للأندية، بينما يجد الكاك نفسه يواجه تحديات مالية كبيرة بإمكانيات محدودة لا تعكس حجم المدينة ولا تاريخ الفريق.
إن أي مشروع رياضي يحتاج إلى تعبئة جماعية لجلب الموارد، وإقامة شراكات حقيقية، وتشجيع الكفاءات المحلية على الانخراط في دعم النادي مادياً وتدبيرياً.
توسيع دائرة المشاركة… مفتاح الاستقرار
إن مستقبل الكاك يمر عبر توسيع دائرة المنخرطين وفتح المجال أمام أبناء المدينة وكفاءاتها للمساهمة في البناء الجماعي للنادي. فالأندية القوية هي التي تتحول إلى مؤسسات مجتمعية مفتوحة، تتقاسم المسؤولية بدل تركها مركزة في شخص واحد يصبح هدفاً دائماً للانتقاد.
كما أن إشراك الفعاليات الرياضية والاقتصادية والمدنية في التفكير الجماعي حول مستقبل الفريق يمكن أن يخلق دينامية جديدة تعزز الحكامة وتمنح المشروع الرياضي نفساً أطول.
جمهور القنيطرة… نموذج يجب حمايته
لا يمكن الحديث عن الكاك دون الإشادة بالجمهور القنيطري، الذي ظل عبر عقود مثالاً في الانضباط وحب النادي والتضحية من أجله. جمهور رافق الفريق في المجد كما في المحن، ووقف إلى جانبه حتى في أصعب مراحل الهواة، وهو رصيد معنوي حقيقي يجب الحفاظ عليه.
غير أن بعض المظاهر الدخيلة، من سبّ وقذف وتشهير وإهانات، لا تعكس تاريخ هذا الجمهور ولا قيمه، بل تسيء لصورة النادي والمدينة معاً. لذلك أصبح من الضروري وضع حد لهذه السلوكيات التي تحول النقاش الرياضي إلى صراع شخصي، وتؤثر سلباً على اللاعبين والاستقرار النفسي للفريق.
فالكاك يحتاج اليوم إلى جمهور ناقد ومسؤول، لا إلى أجواء توتر دائم.
نحو نقاش رياضي علمي ومسؤول
بدل الاكتفاء بالشعارات والانفعالات، أصبح من الضروري الانتقال إلى نقاش رياضي علمي ومنظم، عبر تنظيم ندوات ولقاءات ومناظرات مفتوحة تجمع المسيرين والجماهير والخبراء والفاعلين الرياضيين، بهدف تشخيص المشاكل الحقيقية بعيداً عن الانطباعات السريعة.
الاستماع إلى الجميع، وتحليل المعطيات بموضوعية، والخروج بتوصيات عملية قابلة للتنفيذ، هو الطريق الوحيد لتجريد الأزمة من بعدها الشخصي وتحويلها إلى فرصة إصلاح حقيقية.
خاتمة: الكاك أكبر من الأشخاص
الكاك ليس رئيساً ولا مكتباً ولا فصيلاً جماهيرياً، بل تاريخ مدينة وهوية أجيال. لذلك فإن الإصلاح لا يكون بإسقاط الأشخاص كلما تعثرت النتائج، بل ببناء مشروع جماعي قائم على الاستقرار والمحاسبة والشفافية والدعم الاقتصادي الحقيقي.
السؤال اليوم ليس: من يجب أن يرحل؟
بل: كيف نحمي الكاك من تكرار أخطاء الماضي ونمنحه أخيراً فرصة الاستقرار التي يستحقها؟