ثوابت -الرياصية
أثار خبر رحيل المدرب المغربي وليد الركراكي عن تدريب المنتخب الوطني نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الرياضية المغربية، ليس فقط بسبب توقيته، ولكن أيضاً بالنظر إلى المسار الاستثنائي الذي بصم عليه الرجل منذ توليه قيادة “أسود الأطلس”. فقد تحولت التجربة التي قادها الركراكي إلى واحدة من أبرز اللحظات في تاريخ الكرة المغربية، ما جعل قرار إنهاء مهمته يطرح العديد من الأسئلة حول خلفياته وتداعياته على مستقبل المنتخب.
إنجازات صنعت لحظة تاريخية
يصعب الحديث عن تجربة الركراكي دون استحضار الإنجاز التاريخي الذي تحقق تحت قيادته خلال كأس العالم 2022 في قطر، حين قاد المنتخب المغربي إلى نصف النهائي في سابقة غير مسبوقة عربياً وإفريقياً. فقد تمكن المنتخب المغربي خلال تلك البطولة من إقصاء منتخبات قوية مثل إسبانيا والبرتغال، وقدم أداءً تكتيكياً منضبطاً لفت أنظار العالم وأعاد الاعتبار لكرة القدم المغربية على الساحة الدولية.
لم يقتصر تأثير الركراكي على النتائج فقط، بل شمل أيضاً إعادة الروح إلى المنتخب الوطني، وتوحيد غرفة الملابس، واستعادة الانسجام بين اللاعبين والجمهور. كما نجح في بناء شخصية واضحة للفريق تقوم على الصلابة الدفاعية والنجاعة في استثمار الفرص، وهو ما جعل المنتخب المغربي يحظى بإشادة واسعة من المتابعين والخبراء.
هل كانت النتائج تستدعي الرحيل؟
مع ذلك، يطرح عدد من المتابعين سؤالاً محورياً: هل كانت نتائج الركراكي بالفعل تستدعي إنهاء مهمته؟ فبالرغم من بعض التعثرات التي عرفها المنتخب في محطات لاحقة، ظل المغرب واحداً من أبرز المنتخبات في إفريقيا، كما حافظ على حضوره القوي قارياً ودولياً.
ويرى عدد من المحللين أن بناء منتخب قوي يتطلب قدراً كبيراً من الاستمرارية التقنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمدرب تمكن من خلق هوية واضحة للفريق. لذلك يذهب البعض إلى أن قرار الرحيل قد يكون متسرعاً، أو على الأقل يطرح تساؤلات حول المعايير التي تم اعتمادها في تقييم التجربة.
هل كان الركراكي ضحية صراع خفي؟
خلال منافسات كأس أمم إفريقيا الأخيرة، تعرض الركراكي لانتقادات حادة في عدد من المواقع والمنصات الإعلامية، وهو ما أثار انتباه المتابعين، خصوصاً في ظل غياب أي موقف واضح من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم للدفاع عن مدرب المنتخب في تلك الفترة.
وقد دفع هذا المعطى البعض إلى طرح فرضية وجود صراع غير معلن داخل محيط القرار الكروي، خاصة وأن بعض تلك المنابر الإعلامية توصف بأنها قريبة من رئيس الجامعة فوزي لقجع. ومن هنا ظهرت تساؤلات عديدة حول ما إذا كان الركراكي قد وجد نفسه في مواجهة حملة إعلامية منظمة، أو على الأقل في وضع لم يحظ فيه بالدعم المؤسساتي الكافي خلال مرحلة حساسة من مساره مع المنتخب.
من هو وهبي… المدرب الجديد للمنتخب؟
في المقابل، تم تعيين المدرب المغربي طارق وهبي لقيادة المنتخب الوطني في المرحلة المقبلة. ويُعرف وهبي في الأوساط الكروية المغربية بعمله في مجال تكوين اللاعبين واشتغاله لسنوات داخل الفئات السنية، حيث راكم تجربة في الإشراف على المنتخبات الشابة، وساهم في تطوير عدد من المواهب الصاعدة.
غير أن تعيينه يطرح بدوره تساؤلات عديدة، خاصة وأن قيادة منتخب بحجم المنتخب المغربي بعد إنجاز مونديال قطر ليست مهمة سهلة. فالمقارنة مع تجربة الركراكي تبدو حاضرة بقوة، وهو ما يجعل كثيرين يتساءلون عما إذا كان وهبي قادراً على الحفاظ على نفس مستوى التنافسية، أو تحقيق إنجازات أكبر مما تحقق في السنوات الأخيرة.
فالمنتخب المغربي لم يعد مجرد فريق يبحث عن التأهل للبطولات، بل أصبح منتخباً يحمل طموحات جماهيرية كبيرة ويُنتظر منه التنافس على الألقاب القارية والذهاب بعيداً في الاستحقاقات الدولية. ومن هنا يبرز السؤال: هل يمتلك المدرب الجديد الأدوات والخبرة الكافية لمواصلة هذا المسار التصاعدي؟
هل يهدد القرار مسار الإنجازات؟
يخشى بعض المتابعين أن يؤدي تغيير القيادة التقنية في هذه المرحلة إلى إرباك الاستقرار الذي عرفه المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة. فالنجاحات التي تحققت لم تكن نتيجة ظرفية، بل جاءت نتيجة عمل تراكمي شارك فيه الطاقم التقني واللاعبون والإدارة.
كما أن المنتخب المغربي مقبل على استحقاقات مهمة تتطلب الحفاظ على الانسجام داخل المجموعة، وهو ما يجعل أي تغيير مفاجئ في القيادة الفنية محفوفاً بالمخاطر إذا لم يتم تدبيره بعناية.
مرحلة جديدة أم بداية تراجع؟
في النهاية، يبقى رحيل وليد الركراكي حدثاً مفصلياً في مسار كرة القدم المغربية. فبين من يعتبره قراراً عادياً يدخل في إطار تداول المسؤوليات داخل المنتخبات الوطنية، ومن يراه خطوة قد تفتح الباب أمام مرحلة من عدم الاستقرار، يبقى الحكم الحقيقي مرتبطاً بما ستكشف عنه النتائج في المستقبل القريب.
غير أن ما لا يختلف حوله كثيرون هو أن تجربة الركراكي ستظل واحدة من أهم المحطات في تاريخ المنتخب المغربي، وأن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في الحفاظ على المكتسبات التي تحققت، حتى لا يتحول قرار التغيير إلى بداية تراجع عن الإنجازات التي صنعت فخراً جماعياً للمغاربة. ⚽