تقديم:
يعتبر السيد عبد الرزاق بوغنبور الرئيس السابق للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان فاعل حقوقي وطني، عُرف بمواقفه المستقلة ونضاله الملتزم دفاعًا عن حقوق الإنسان، وربطًا بين الفكر والممارسة، وبين النقد الحقوقي والمسؤولية الأخلاقية.
يُعدّ الأستاذ عبد الرزاق بوغنبور من الأصوات الحقوقية المغربية التي راكمت تجربة نضالية وفكرية وازنة، سواء من خلال قيادته لإحدى أقدم التنظيمات الحقوقية بالمغرب، أو عبر مساهماته التحليلية الرصينة في قضايا الحكامة، والديمقراطية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ويتميّز مساره بالاستقلالية الفكرية، والوضوح في المواقف، والالتزام العميق بقيم دولة الحق والقانون، بعيدًا عن منطق الاصطفاف أو التبرير.
في هذا المقال، يقدّم الأستاذ بوغنبور قراءة معمّقة في تجربة المجلس الأعلى للحسابات، انطلاقًا من إصدار دليل المحاكم المالية، واضعًا هذه التجربة في سياقها الدستوري والتاريخي، ومثيرًا أسئلة جوهرية حول حدود الأثر، وسؤال الجرأة، والانتقال من منطق التدبير إلى منطق المسؤولية.
المقال كاملا:
تمهيد
بإصداره دليلًا مرجعيًا حول المحاكم المالية، يفتح المجلس الأعلى للحسابات نقاشًا مؤسساتيًا متجددًا حول مكانة هذه الهيئة الدستورية ودورها في تدبير وتتبع ومراقبة المال العام. فالدليل لا يُعد مجرد وثيقة تقنية أو تأطيرية، بل يعكس وعيًا مؤسساتيًا متناميًا بأهمية توحيد الفهم، وتوضيح الاختصاصات، وترسيخ ثقافة الرقابة المالية في بعدها القضائي والتقييمي.
ويأتي هذا الإصدار في سياق يتسم بتصاعد النقاش العمومي حول الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ونجاعة السياسات العمومية، وهي رهانات تجعل من تجربة المجلس الأعلى للحسابات تجربة مركزية في مسار بناء دولة المؤسسات.
أولًا: مسار مؤسساتي متدرّج للرقابة على المال العام
يستمد المجلس الأعلى للحسابات وجوده واختصاصاته من الفصل 147 من دستور المملكة، الذي يكرّسه كهيئة عليا للرقابة على المالية العمومية ويضمن استقلاله. غير أن هذا الترسيم الدستوري هو حصيلة مسار تاريخي بدأ منذ إحداث المجلس سنة 1979، في إطار اعتماد النموذج القضائي للرقابة المالية، بما منح هذه الرقابة طابعًا مؤسساتيًا وقانونيًا يتجاوز منطق التفتيش الإداري التقليدي.
وقد عرف هذا المسار تطورًا نوعيًا مع دستور 1996، الذي رفع المجلس إلى مصاف المؤسسات الدستورية، وأحدث المجالس الجهوية للحسابات، انسجامًا مع توجهات اللامركزية وتوسيع مجال المراقبة الترابية، خصوصًا على مستوى الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية.
ثانيًا: دستور 2011 وتعزيز مكانة المحاكم المالية
شكّل دستور 2011 منعطفًا حاسمًا في مسار المجلس الأعلى للحسابات، إذ لم يكتف بتكريس استقلاله، بل وسّع مجال تدخله، وربط صراحة بين الرقابة المالية ومبادئ الحكامة الجيدة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أُسندت للمجلس اختصاصات ذات حمولة سياسية ومؤسساتية قوية، من بينها مراقبة تمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية، والتصريح الإجباري بالممتلكات، وتقييم السياسات العمومية، وهو ما يعكس انتقال الرقابة على المال العام من مجال تقني صرف إلى مجال يرتبط بجوهر الديمقراطية وجودة التدبير العمومي.
ثالثًا: ازدواجية الاختصاصات ومنهجية المراقبة المندمجة
تتميّز المحاكم المالية بازدواجية في الاختصاصات:
-
اختصاصات قضائية تتجلى في التدقيق والبت في حسابات المحاسبين العموميين، وترتيب الجزاءات عن المخالفات المالية المرتبطة بتنفيذ الميزانية.
-
اختصاصات غير قضائية تشمل مراقبة التسيير، وتقييم أداء المرافق العمومية، واقتراح توصيات لتحسين النجاعة والمردودية.
وقد كرّس الدليل الصادر عن المجلس الأعلى للحسابات هذا التكامل، مبرزًا اعتماد منهجية المراقبة المندمجة التي لا تختزل الرقابة في منطق الزجر، بل تجعل منها أداة للتقويم والتحسين، بما يخدم حسن تدبير المال العام.
رابعًا: تحولات الدور بعد 2011… بين الطموح الدستوري وحدود الأثر
رغم هذا التطور الدستوري والمؤسساتي، يظل السؤال المركزي مطروحًا: إلى أي حد نجح المجلس الأعلى للحسابات في تحويل صلاحياته الواسعة إلى أثر فعلي في تدبير المال العام؟
فانتقال المجلس من رقابة المشروعية إلى رقابة النجاعة والأثر لا يزال، في كثير من الحالات، حبيس مستوى التشخيص والتوصية. إذ تُسجَّل اختلالات جسيمة، وتُقدَّم توصيات دقيقة، دون أن تترتب عنها دائمًا مساءلة واضحة أو إصلاحات هيكلية ملموسة.
كما أن نشر التقارير، رغم أهميته في تكريس الشفافية، لا يكفي وحده لضمان المحاسبة، إذا لم تُقابل خلاصاته بتفاعل جدي من الحكومة، والبرلمان، وباقي المؤسسات المعنية.
خامسًا: المجلس الأعلى للحسابات بين الاستقلال وسؤال الجرأة
إن الاستقلال الدستوري الذي يتمتع به المجلس الأعلى للحسابات يظل مكسبًا أساسيًا، لكنه لا يعفي من طرح سؤال الجرأة المؤسساتية: جرأة تسمية المسؤوليات، وربط الاختلالات بالقرارات والمواقع، والانتقال من لغة التحفظ الإداري إلى لغة الوضوح الدستوري.
فالمجلس، في صيغته الحالية، يمارس دور الضمير المالي للدولة، غير أن هذا الضمير يظل محدود الأثر إذا لم يُدعَّم بثقافة سياسية وإدارية تعترف بأن المال العام ليس مجالًا للمجاملة أو الإفلات من المحاسبة.
خاتمة
إن إصدار دليل المحاكم المالية يشكّل مناسبة لتجديد النقاش حول تجربة المجلس الأعلى للحسابات، ليس فقط كهيئة رقابية، بل كفاعل دستوري يفترض فيه أن يكون في صلب معركة الحكامة وحماية المال العام. فالمجلس لا يمثل غاية في ذاته، بل أداة لاختبار صدق الدولة في ربط الخطاب الدستوري بالممارسة، وتحويل الرقابة من ممارسة تقنية إلى رافعة فعلية للإصلاح والمسؤولية.
لعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان وفاعل حقوقي وطني، عُرف بمواقفه المستقلة ونضاله الملتزم دفاعًا عن حقوق الإنسان، وربطًا بين الفكر والممارسة، وبين النقد الحقوقي والمسؤولية الأخلاقية.
يُعدّ الأستاذ عبد الرزاق بوغنبور من الأصوات الحقوقية المغربية التي راكمت تجربة نضالية وفكرية وازنة، سواء من خلال قيادته لإحدى أقدم التنظيمات الحقوقية بالمغرب، أو عبر مساهماته التحليلية الرصينة في قضايا الحكامة، والديمقراطية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ويتميّز مساره بالاستقلالية الفكرية، والوضوح في المواقف، والالتزام العميق بقيم دولة الحق والقانون، بعيدًا عن منطق الاصطفاف أو التبرير.
في هذا المقال، يقدّم الأستاذ بوغنبور قراءة معمّقة في تجربة المجلس الأعلى للحسابات، انطلاقًا من إصدار دليل المحاكم المالية، واضعًا هذه التجربة في سياقها الدستوري والتاريخي، ومثيرًا أسئلة جوهرية حول حدود الأثر، وسؤال الجرأة، والانتقال من منطق التدبير إلى منطق المسؤولية.
ا