مصطفى المنوزي يكتب: من الفرجة إلى الخلاص “الرياضة بين الهيمنة الرمزية وسؤال المعنى

الرياضة والالهاء

بقلم: مصطفى المانوزي

مصطفى المنوزي يكتب:

لا يمكن إنكار وجاهة التشخيص الذي تنهض به بعض الأقلام النقدية المستقلة، وهي تخرج عن سرب المديح المبالغ فيه، لتدق ناقوس الخطر بشأن الكلفة الباهظة للاستثمار في المجال الرياضي. غير أن الإشكال لا يكمن فقط في حجم الإنفاق، بل في توظيف الرياضة كأداة رمزية لتأجيل أسئلة التنمية، وتبرير الخيبات، وصرف الانتباه عن أعطاب أعمق في السياسات العمومية.

لكن، هل يكفي الوصف وفضح الاختلالات؟ أم أن الاكتفاء بالتشخيص، مهما بلغ من الدقة، يظل شكلًا من أشكال العجز المؤجل إن لم يُقترن بأفق تغيير؟

هنا يستعيد سؤال «ما العمل؟» راهنيته، لا كشعار تعبوي، بل كسؤال أخلاقي وفكري. فمنذ نسخ عقد الحماية، حاولت نخبة مغربية متنورة تحليل الواقع المحسوس تحليلًا ملموسًا، غير أن القمع من جهة، وضغط الزمن الانتخابي من جهة أخرى، ساهما في كبح التفكير النقدي، وفي تحويل جزء من النخبة إلى فاعل ضمن دورة التبرير أو الانتظار أو الاحتماء بسردية المظلومية.

في هذا السياق، تكتسب نظرية الخلاص كما بلورها المفكر المغربي محمد بهضوض أهمية خاصة، لأنها تقترح انتقالًا حاسمًا من منطق الشكوى إلى منطق المسؤولية الأخلاقية المشتركة. فحقوق الإنسان، وفق هذا الأفق، لا تختزل في مطالب تقنية أو قانونية، بل تتأسس على ثلاثية: أخلاق العناية، والتشارك، والإبداع.

من هذا المنظور، تصبح الرياضة اختبارًا حقيقيًا: إما أن تُستثمر كفضاء للعناية بالإنسان، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وإشراك المواطنين في تحديد الأولويات، أو تُختزل في فرجة موسمية تُستعمل لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية، حيث يُدار الزمن بمنطق المراهنة لا بمنطق الرهان على المعنى.

النجاح الرياضي، حين يُفصل عن السؤال الاجتماعي، قد يتحول إلى انتصار تقني وهزيمة رمزية. أما الفرح الجماعي، حين يُوظف لتأجيل المحاسبة، فيغدو جزءًا من آلية التخدير لا من أفق التحرر.

لذلك، لا يكمن التحدي في رفض الرياضة أو الفرح، بل في تحريرهما من التوظيف، وربط الإنجاز بالجدوى، والاحتفال بالمسؤولية. فالخلاص، في هذا السياق، ليس وعدًا ميتافيزيقيًا ولا قطيعة فجائية، بل مسارًا مدنيًا تدريجيًا يعيد للسياسة معناها، وللتنمية أولويتها، وللنخبة دورها النقدي الخلاق.

إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس كثرة الفرجة، بل ندرة المعنى. وبين الهيمنة الرمزية وأفق الخلاص، يظل سؤال «ما العمل؟» مفتوحًا على جرأة التفكير وصناعة البدائل.

وأمام الصعوبات الواقعية والإشكاليات الفكرية المرتبطة بمطلب التغيير ، خاصة في ظل الفراغ العام التأطيري والتنظيمي وهشاشة المشهد الحزبي وآليات الدفاع المدني ، وأمام غلو فزاعة ذريعة المجال المحفوظ وتخلي الدولة عن وعودها بالتشاركية ، وخشية من الإنفتاح غير المقيد على التعاون الدولي الإشتراطي والإذعاني ، لا يسعنا إلا الدعوة إلى مزيد من المقاومة والصمود.، مع التحذير بأن إصلاح أو تغيير أي نظام سياسي إنما يأتي من قوى المجتمع المتضرر نفسه عبر تعبيراته الثقافية والسياسية والمدنية ، إن كانت لها إرادة القرار وحريته ، أي من فعالياته الداخلية، وليس من قوى خارجية (امبريالية الاتجاه) في الشرق أو الغرب، لها أجنداتها الخاصة، والتي لاعلاقة لها البتة بمصالح الشعوب ، وفق ما هو متعارف عليه في أدبيات الصراع السياسي والفكري والإقتصادي وآلياته السلمية والحضارية .

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *