ثوابت -القنيطرة-
أثار غياب عدد من مستشاري مجلس جماعة القنيطرة عن الدورة الاستثنائية المنعقدة يوم أمس جدلًا واسعًا في الأوساط المحلية، بعدما تعذر انعقادها لعدم اكتمال النصاب القانوني، في مشهد يعكس عمق الاختلالات السياسية والتدبيرية التي يعيشها المجلس الجماعي، وسط احتقان اجتماعي متزايد وغضب شعبي متنامٍ من تدهور الخدمات الأساسية.
أولًا: الغياب بين الحق القانوني والتوظيف السياسي
من الناحية القانونية الصرفة، لا جدال في أن حضور أو عدم حضور المستشارين الجماعيين لدورات المجلس يندرج ضمن حريتهم السياسية المكفولة بالقانون التنظيمي للجماعات الترابية، ما دام الغياب لا يخضع لعقوبات إلا في الحالات المحددة قانونًا.
كما أن المقاطعة أو الامتناع عن الحضور تبقى آلية سياسية معروفة، تُستعمل أحيانًا للتعبير عن اعتراضات عميقة أو احتجاج على طريقة التسيير أو إقصاء مكونات داخل المجلس.
غير أن هذا الحق، رغم مشروعيته، لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيشه المدينة، ولا عن مسؤولية جميع المنتخبين، أغلبية ومعارضة، في ضمان السير العادي للمؤسسة المنتخبة وعدم تحويل الخلافات السياسية إلى عامل شلل دائم.
ثانيًا: أنصار الرئيسة ومحاولة تحميل الغياب كل أزمات المدينة
في المقابل، لجأ أنصار رئيسة المجلس، أمينة حروزة، إلى خطاب تصعيدي على مواقع التواصل الاجتماعي، حاولوا من خلاله تحميل غياب المستشارين مسؤولية جميع مشاكل القنيطرة، في طرح وُصف من طرف متابعين بـ”الغريب” و”المبسط”، لأنه يتجاهل واقعًا متراكمًا من الاختلالات سبق هذا الغياب بمدة طويلة.
هذا الخطاب، بدل أن يفتح نقاشًا جديًا حول أسباب تعثر التسيير الجماعي، اختار منطق الهروب إلى الأمام، وتبرير الفشل بدل مساءلة الذات السياسية والتنظيمية داخل الأغلبية المسيرة.

ثالثًا: مشاكل القنيطرة أعمق من دورة مؤجلة
الواقع الميداني يؤكد أن أزمات القنيطرة لا تختزل في دورة لم تُعقد، بل هي نتيجة سنوات من ضعف الحكامة وغياب رؤية تنموية واضحة، ويتجلى ذلك في:
-
تراكم الأزبال بعدد من الأحياء وتحول النظافة إلى كابوس يومي للمواطنات والمواطنين.
-
تعطل عدد من الأوراش والمشاريع التي راهن عليها المجلس دون أن تخرج إلى حيز التنفيذ.
-
انتشار الكلاب الضالة بشكل مقلق، في غياب أي مقاربة ناجعة تحفظ السلامة الصحية والأمنية.
-
انعدام الإنارة العمومية في أحياء عديدة، بما فيها مناطق من وسط المدينة.
-
الحفر المتعددة وتدهور البنية الطرقية دون تدخلات فعالة ومستدامة.
-
انتشار الباعة المتجولين في غياب تنظيم حقيقي يوازن بين الحق في الشغل واحترام النظام العام.
-
تفشي ظاهرة الذبح السري وترويج اللحوم الفاسدة، بما يشكله ذلك من تهديد مباشر للصحة العامة.
رابعًا: الشرطة الإدارية… سلطة بلا ثقة؟
ومن أكثر النقاط التي فجرت غضب الساكنة، أداء الشرطة الإدارية الجماعية، التي تُتهم على نطاق واسع بـ:
-
التعامل بالمحسوبية والمحزوبية بدل تطبيق القانون على الجميع.
-
التمييز بين المواطنات والمواطنين في تحرير المخالفات أو التغاضي عنها.
-
الصرامة الانتقائية التي تستهدف فئات دون غيرها، في مقابل التساهل مع أصحاب النفوذ أو العلاقات.
هذا الوضع أفرز فقدانًا متزايدًا للثقة في الإدارة الجماعية، ورسخ شعورًا بالحيف والظلم لدى عدد كبير من السكان، وهو ما ينذر بتوتر اجتماعي أكبر إن لم تتم مراجعة طريقة اشتغال هذه المصالح بشكل عاجل.
خامسًا: المسؤولية السياسية… على من؟
إن تحميل الغياب وحده مسؤولية انسداد الأفق هو تبسيط مخلّ، لأن المسؤولية السياسية الأولى تقع على:
-
رئيسة المجلس، التي يفترض فيها توحيد صفوف أغلبيتها وضمان الانسجام الداخلي بدل الاكتفاء بتبرير الأعطاب.
-
الأغلبية المسيرة، المطالبة بتقديم برامج تنموية واقعية وقابلة للتنفيذ.
-
المعارضة، التي وإن كان من حقها المقاطعة، فإنها مطالبة أيضًا بطرح بدائل واضحة وتغليب مصلحة المدينة على الحسابات الضيقة.
خلاصة
غياب مستشاري مجلس القنيطرة عن الدورة الاستثنائية حق قانوني لا يمكن مصادرته، لكنه في المقابل كشف هشاشة التسيير الجماعي وعمق الأزمة السياسية داخل المجلس.
أما محاولات تبرئة التسيير الحالي وتحميل الغياب وحده كل الإخفاقات، فهي تغليط للرأي العام وتجاهل لمعاناة يومية يعيشها سكان المدينة.
القنيطرة اليوم لا تحتاج إلى تبادل الاتهامات، بل إلى إرادة سياسية حقيقية، وحكامة نزيهة، وإدارة عادلة تطبق القانون على الجميع دون تمييز… وإلا فإن غضب الشارع مرشح للتصاعد أكثر.