أحكام شغب “نهائي الكان” بالرباط: حين تؤكد العقوبات المخففة تجرد القضاء وسيادة القانون

أصدرت المحكمة الابتدائية بالرباط، مساء الخميس، أحكامها في ملف المتابعين على خلفية أحداث الشغب التي رافقت نهائي كأس إفريقيا لكرة القدم، وهي الوقائع التي خلفت صدمة واسعة لدى الرأي العام المغربي بعد مشاهد العنف والتخريب التي تم تداولها على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

وقد توزعت الأحكام بين ثلاثة أشهر وسنة واحدة حبسا نافذا، إضافة إلى غرامات مالية تراوحت بين 1200 و5000 درهم، مع إدانة عدد من المتابعين من جنسيات مختلفة، مقابل تبرئة أحد المتهمين من بعض التهم المنسوبة إليه، في خطوة تعكس اعتماد المحكمة على التقييم الفردي للمسؤولية الجنائية لكل متابع على حدة.

غير أن القراءة الحقوقية والقانونية لهذه الأحكام تبرز معطى أساسياً يستحق التوقف عنده، وهو أن العقوبات الصادرة بدت مخففة نسبياً مقارنة بحجم الأفعال الإجرامية التي عاينها المغاربة، وحجم الاحتقان والغضب الذي ساد الشارع المغربي عقب تلك الأحداث.

فمشاهد التخريب، والاعتداءات، وإثارة الفوضى في فضاءات رياضية وعمومية، خلقت مطالب شعبية واسعة بتشديد العقوبات، خاصة وأن مثل هذه السلوكيات تمس بالأمن العام وصورة البلاد، وتطرح تحديات حقيقية مرتبطة بتنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى وضمان سلامة المواطنين والممتلكات.

ورغم هذا المناخ المشحون، اختار القضاء المغربي أن يسلك طريقاً مغايراً لمنطق الانفعال المجتمعي، حيث جاءت الأحكام في حدود ما يسمح به القانون، دون الانجرار نحو إصدار عقوبات قاسية لإرضاء الرأي العام أو امتصاص الغضب الشعبي. وهو ما يعكس، في جوهره، تجرد المؤسسة القضائية والتزامها بمبدأ الشرعية الجنائية القائم على أن العقوبة تُبنى على الأفعال الثابتة قانوناً لا على الانطباعات أو الضغوط.

إن القضاء، في مثل هذه القضايا ذات الصدى الإعلامي الكبير، يكون أمام اختبار حقيقي: بين مطالب التشدد الصادرة عن الشارع، وواجب الالتزام الصارم بضمانات المحاكمة العادلة ومبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة. والأحكام الصادرة توحي بأن المحكمة فضلت الاحتكام إلى النص القانوني والمعايير القضائية، بدل الانسياق وراء منطق الردع الاستثنائي.

كما أن إصدار أحكام متفاوتة، مع تسجيل حالة تبرئة جزئية، يؤكد أن المحكمة لم تعتمد مقاربة جماعية أو عقاباً موحداً، بل قامت بتمحيص الأدوار الفردية لكل متهم، وهو ما يشكل أحد أهم مظاهر العدالة الجنائية الحديثة التي تقوم على شخصية العقوبة.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *