بقلم: إدريس السدراوي

انتهت كأس أمم إفريقيا، وانفضّ الجمع، وعادت الشاشات إلى برامجها العادية، لكن ما لم ينتهِ بعد هو واقع اقتصادي واجتماعي مأزوم، لم يعد يحتمل لا التزيين الخطابي ولا الهروب إلى الأمام. في المغرب، لا تُقاس الأزمات بعدد الكؤوس ولا بحسن التنظيم، بل بقدرة المواطن على العيش، وبمدى شعوره بأن الدولة تنحاز له لا عليه.
تقول الحكومة إن النمو يتراوح بين 3,5 و4 في المائة، لكن أي مواطن بسيط يعلم أن هذا النمو لا يشتري الخبز، ولا يُسدد فواتير الماء والكهرباء، ولا يضمن الشغل لأبنائه. نحن أمام اقتصاد يُنتج المؤشرات ولا يُنتج العدالة، اقتصاد يلمّع الأرقام ويترك الواقع يتآكل. فالبطالة التي تلامس 13 في المائة، وتنفجر في صفوف الشباب والخريجين بأكثر من 35 في المائة، ليست معطى تقنيًا، بل فشلًا سياسيًا صريحًا لنموذج تنموي لم ينجح في تحويل الثروة إلى كرامة.
وفي قلب هذا الفشل، تتآكل القدرة الشرائية بصمت قاتل. فالتضخم الذي تجاوز 6 في المائة خلال السنتين الأخيرتين لم يكن رقمًا عابرًا، بل زلزالًا أصاب الأمن الاجتماعي للأسر. ومع تجميد الأجور عمليًا، تحوّل العمل إلى عبء لا إلى حماية، وأصبح الأجر الحقيقي أقل مما كان عليه قبل سنوات. من يرفض ربط الأجور بتكلفة المعيشة لا يدافع عن “التوازنات”، بل يشرعن الفقر التدريجي ويحوّل الاستقرار الاجتماعي إلى قنبلة موقوتة.
وسط هذا السياق، لم تأتِ المعركة النضالية للمحامين من فراغ، ولم تكن نزوة فئوية كما حاول البعض اختزالها. كانت صرخة سياسية ضد منطق تشريعي ومالي يضرب العدالة الضريبية في العمق. حين يُدفع المهنيون، ومعهم الأجراء، إلى تحمل العبء الأكبر للإصلاح، بينما تُترك الثروة الكبرى والريع في مناطق الظل، فإننا لا نكون أمام إصلاح، بل أمام إعادة توزيع غير عادلة للفقر. معركة المحامين مرآة لمعركة أوسع ضد تشريع يُصاغ من فوق، ويُفرض دون إنصات، ويُسوّق باسم الإكراهات والظرفية.
قانون المالية الأخير اختار، بلا مواربة، حماية المؤشرات الماكرو اقتصادية على حساب الإنسان. فالمديونية العمومية التي تقترب من 70 في المائة من الناتج الداخلي الخام تُستعمل كفزاعة لتبرير التقشف الاجتماعي، دون جرأة سياسية لفتح ملف الإصلاح الجبائي الحقيقي: ضريبة على الثروة، محاربة الإعفاءات غير المبررة، تفكيك اقتصاد الريع، وربط الضريبة بالقدرة التكليفية لا بالسهولة الإدارية. والنتيجة أن الموظف، والأجير، والمهني الصغير يُستنزفون، بينما يُقدَّم “الاستقرار” ذريعة لإدامة الاختلال.
أما الصحة والتعليم، فهما الشاهدان الأكبر على فشل تحويل الإنفاق إلى كرامة. رغم الميزانيات المعلنة، لا يزال المواطن يواجه مستشفيات عمومية تعاني الخصاص، ومدارس عمومية تعاني الاكتظاظ والهدر وضعف الجودة. وليس من قبيل الصدفة أن يحتل المغرب مراتب متأخرة في مؤشرات التعليم والصحة، وأن يظل ترتيبه في مؤشر التنمية البشرية في حدود الرتبة 120 عالميًا. هذا الرقم شهادة دولية على أن السياسات العمومية لم تنجح بعد في ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم.
انتهى الكان، لكن ما لم ينتهِ هو سياسة الهروب من الأسئلة الجوهرية. ما لم ينتهِ هو منطق تدبير الأزمة بدل حلها، وتسويق الصبر بدل العدالة، وطلب التضحيات من نفس الفئات دائمًا. إن الاحتقان الاجتماعي المتصاعد، ومعه نضالات المحامين وقطاعات أخرى، ليس خطرًا على الاستقرار، بل تحذيرًا أخيرًا قبل الانفجار.
انتهى زمن الفرجة، وبدأ زمن المحاسبة. هذه هي المعركة الحقيقية… بعد الكان.