ثوابت -القنيطرة
في خطوة مفاجئة وخلفياتها مثيرة للقلق، أعلن البروفيسور ياسين الحفياني، مدير مستشفى الزموري بالقنيطرة، استقالته من مهامه، وسط حديث متزايد عن تعرضه لضغوطات متواصلة من جهات تشتغل في الخفاء وتناهض مسار الإصلاح داخل القطاع الصحي بالإقليم.
هذه الاستقالة لم تكن مجرد حدث إداري عابر، بل شكلت صدمة حقيقية لدى عدد من الفاعلين المدنيين والحقوقيين والمهنيين، الذين أجمعوا على أن مغادرة البروفيسور الحفياني تمثل خسارة كبيرة للمنظومة الصحية بالقنيطرة، بالنظر إلى ما راكمه من مجهودات ملموسة منذ توليه المسؤولية.
فخلال فترة تدبيره، اشتغل الحفياني على تحسين جودة الخدمات الصحية، وتعزيز الحكامة داخل المؤسسة، والانفتاح على محيطها المدني، إضافة إلى محاولاته الجادة لإعادة الاعتبار للمرفق العمومي الصحي، رغم الإكراهات البنيوية وقلة الموارد. كما عُرف بنهجه الصارم في مواجهة مظاهر الفوضى والاختلالات، وهو ما جعله في صدام غير مباشر مع ما بات يُوصف بـ”لوبيات مقاومة الإصلاح”.
وفي هذا السياق، تشير معطيات متداولة محلياً إلى أن تحسن العرض الصحي العمومي داخل مستشفى الزموري خلال فترة تدبير الحفياني، انعكس بشكل مباشر على الإقبال على بعض المصحات الخاصة، التي تضررت من تراجع عدد المرتفقين، وهو ما يعزز فرضية وجود مصالح متضررة من نجاح تجربة الإصلاح، قد تكون من بين الأطراف التي لم يرق لها هذا التحول الإيجابي في القطاع العمومي.
كما أن المرحلة الحالية ترتبط بأوراش استراتيجية كبرى، في مقدمتها مشروع كلية الطب بالقنيطرة الذي تمت الموافقة عليه، والذي يشكل رافعة أساسية لتأهيل المنظومة الصحية بالجهة، وربط التكوين الأكاديمي بالممارسة الميدانية داخل المؤسسات الاستشفائية، وعلى رأسها مستشفى الزموري. وهي أوراش تستوجب استقراراً في القيادة وتواصلاً في الرؤية الإصلاحية، مما يجعل استمرار البروفيسور الحفياني في موقعه مسألة ذات أهمية قصوى.
في المقابل، عبرت فعاليات مدنية بالقنيطرة عن تضامنها المطلق مع البروفيسور الحفياني، معتبرة أن ما وقع ليس فقط استهدافاً لشخصه، بل أيضاً رسالة سلبية لكل الكفاءات التي تسعى إلى التغيير. وأكدت هذه الفعاليات أن استقالته تمثل انتكاسة لمسار الإصلاح الصحي محلياً، داعية إلى فتح تحقيق شفاف حول ملابسات هذه الضغوطات.
كما أعلنت بعض الهيئات المدنية عزمها تنظيم وقفات احتجاجية تضامنية، تنديداً بما وصفته بـ”إجهاض إرادة الإصلاح”، ومطالبة بحماية الأطر النزيهة التي تشتغل من أجل الصالح العام.
وفي هذا السياق، صرّح إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، أن “استقالة البروفيسور ياسين الحفياني تشكل مؤشراً مقلقاً على حجم العراقيل التي تواجه مسار الإصلاح داخل القطاع الصحي، وهو ما يستدعي تدخلاً عاجلاً من طرف وزير الصحة والحماية الاجتماعية”.
ودعا السدراوي وزير الصحة إلى الحفاظ على تجربة الإصلاح التي يقودها البروفيسور الحفياني، والعمل على فتح تحقيق جدي ومسؤول للكشف عن أسباب هذه الاستقالة، وإزالة كافة العوائق التي تحول دون استمراره في أداء مهامه في ظروف سليمة.
كما شدد على التشبث باستمرار البروفيسور الحفياني في منصبه كمدير للمستشفى، بالنظر إلى كفاءته ونزاهته وما حققه من نتائج إيجابية، معتبراً أن دعمه هو دعم لمسار إصلاحي تحتاجه المنظومة الصحية أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل الأوراش المفتوحة التي تتطلب قيادة مستقرة ورؤية واضحة.
إن استقالة البروفيسور ياسين الحفياني تعيد إلى الواجهة إشكالية عميقة يعيشها قطاع الصحة بالمغرب، حيث يتقاطع الطموح الإصلاحي مع قوى مقاومة التغيير. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر، في انتظار إرادة حقيقية تضع حداً لهذه الاختلالات وتدعم الكفاءات بدل التضييق عليها.