ثوابت – الرباط
يكتسي الاجتماع الذي عقده، يوم 27 يناير 2026، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، مع مدير الشرطة ورئيس الوحدة الوطنية المختصة بمكافحة الجريمة المنظمة بدولة الدانمارك، دلالات استراتيجية تتجاوز طابعه الثنائي، لتضعه في سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل مقاربات التعاون الأمني الدولي في مواجهة التهديدات المعولمة.
فاللقاء، الذي حضره مسؤولون أمنيون دانماركيون وممثلون عن سفارة الدانمارك بالرباط، ركّز على قضايا أمنية ذات أولوية، في مقدمتها مكافحة شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتتبع حركية التنظيمات الإرهابية، وتعزيز آليات التنسيق في مجال تعقب وتسليم الأشخاص المطلوبين دوليًا. وهي ملفات تعكس إدراكًا مشتركًا بأن التهديدات الأمنية الراهنة لم تعد محلية، بل باتت شبكية ومتعددة المستويات.
ويأتي هذا الاجتماع ليؤكد المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها الأجهزة الأمنية المغربية داخل منظومة التعاون الدولي، ليس فقط كجهاز تنفيذي، بل كفاعل استخباراتي استباقي. فقد راكم المغرب، خلال السنوات الأخيرة، خبرة معتبرة في مجال التحليل الاستخباراتي متعدد المصادر، والربط بين المعطيات الميدانية والإشارات الرقمية، وهو ما مكّنه من تفكيك خلايا إرهابية معقدة، ومن تقديم معلومات دقيقة أسهمت في إحباط مخططات إجرامية وإرهابية داخل المغرب وخارجه.
وتُظهر تجارب سابقة أن الدور الاستخباراتي المغربي لا يقتصر على حماية الأمن الوطني، بل يمتد إلى دعم الأمن الجماعي عبر تبادل معلومات عالية الدقة مع شركاء أوروبيين وإقليميين، في إطار من الثقة المتبادلة واحترام السيادة. هذا البعد الاستخباراتي هو ما يفسر حرص عدد من الدول الأوروبية على توطيد تعاونها مع المغرب، باعتباره شريكًا يمتلك معرفة معمقة بالبيئات المتطرفة، وبمسارات الجريمة المنظمة التي تربط بين الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط.
كما أن التوجه نحو إرساء إطار مؤسساتي وقانوني للتعاون، من خلال مذكرة تفاهم مرتقبة، يعكس انتقال العلاقات الأمنية المغربية–الدانماركية من منطق التنسيق الظرفي إلى شراكة منظمة ومستدامة. فمأسسة التعاون في مجالات تبادل الخبرات، والدعم التقني، والتكوين الشرطي المشترك، والتعاون العملياتي، تعزز قابلية هذه الشراكة للاستمرار والتكيف مع تحولات التهديدات الأمنية.
ويُقرأ هذا التطور أيضًا في سياق دولي يتسم بتداخل الجريمة المنظمة مع الإرهاب، وتنامي الجرائم السيبرانية، واستغلال شبكات الهجرة غير النظامية كقنوات لتهريب الأشخاص والموارد. وفي هذا السياق، يبرز المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وخبرته الأمنية، كحلقة وصل استراتيجية بين أوروبا وإفريقيا، وكفاعل مركزي في مقاربة أمنية شمولية تقوم على الاستباق بدل رد الفعل.
ويعكس هذا الاجتماع، في العمق، رؤية المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني التي تربط بين الأمن الوطني والمسؤولية الدولية، وتقوم على الانفتاح المدروس، وبناء الشراكات المتوازنة، وتعزيز الثقة العملياتية مع الشركاء الدوليين، دون التفريط في مبدأ السيادة.
وعليه، فإن اجتماع 27 يناير 2026 لا يُختزل في كونه محطة دبلوماسية عابرة، بل يشكل مؤشرًا على ترسخ النموذج الأمني المغربي كفاعل استخباراتي موثوق، وقوة اقتراح داخل الجهود الدولية الرامية إلى تحييد التهديدات الإرهابية والإجرامية، وترسيخ منطق الأمن الجماعي في عالم تتسارع فيه المخاطر وتتراجع فيه الحدود التقليدية.