السنة الأمازيغية بالمغرب: مكاسب دستورية في مواجهة تراجع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأمازيغ

بقلم: إدريس السدراوي

 بمناسبة حلول رأس السنة الأمازيغية، التي جرى اعتمادها عطلة رسمية مدفوعة الأجر، يفرض السياق الحقوقي إعادة قراءة مسار الحركة الأمازيغية بالمغرب قراءة هادئة ولكن نقدية، تنطلق من الاعتراف بما تحقق من مكاسب دستورية وقانونية، دون السقوط في منطق التمجيد أو الاكتفاء بالرمزية، خصوصًا في ظل التراجع الواضح للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لساكنة واسعة من المناطق ذات الغالبية الأمازيغية.

لقد شكل ترسيم اللغة الأمازيغية في الدستور المغربي تحولًا نوعيًا في مسار الدولة، باعتباره اعترافًا صريحًا بالتعدد اللغوي والثقافي كأحد مكونات الهوية الوطنية الجامعة، وليس كاستثناء ثقافي أو امتياز ظرفي. كما تعزز هذا المسار بإحداث مؤسسات رسمية تعنى بالنهوض بالأمازيغية، وفي مقدمتها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إلى جانب إصدار القوانين التنظيمية المرتبطة بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وهو ما يعكس من حيث المبدأ ملاءمة تشريعية مع الدستور ومع بعض المعايير الدولية المتعلقة بالحقوق الثقافية واللغوية. ويأتي اعتماد رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية ليشكل بدوره مكسبًا رمزيًا مهمًا، يؤكد الاعتراف المؤسسي بالعمق التاريخي والحضاري للأمازيغية داخل الذاكرة الوطنية.

غير أن المقاربة الحقوقية تفرض التمييز بين الاعتراف القانوني والتمتع الفعلي بالحقوق. فالتجربة المغربية تكشف بوضوح أن المكاسب الدستورية، على أهميتها، لم تُترجم بعد إلى تحسين ملموس في أوضاع عيش فئات واسعة من المواطنات والمواطنين الأمازيغ، خصوصًا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية. فالمناطق الجبلية والقروية في الأطلس والريف والجنوب الشرقي وسوس لا تزال تعاني من التهميش البنيوي، وضعف البنيات التحتية، وهشاشة الخدمات الصحية والتعليمية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والهجرة القسرية، وهو ما يجعل سؤال العدالة المجالية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

إن التركيز الحصري على البعد الثقافي واللغوي، دون ربطه بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يفرغ القضية الأمازيغية من بعدها الحقوقي الشامل. فلا معنى للترسيم الدستوري، ولا للاحتفاء بالسنة الأمازيغية، إذا ظلت الساكنة الأمازيغية محرومة من الحق في التنمية، وغير مستفيدة من الثروات الطبيعية المستخرجة من أراضيها، أو متضررة من نزع الأراضي وتهميش الاقتصاد المحلي، في غياب سياسات عمومية منصفة. إن هذا الواقع لا يمكن فصله عن اختلالات عميقة في توزيع الثروة والاستثمار العمومي، ويطرح إشكالية التمييز غير المعلن القائم على المجال والانتماء اللغوي والثقافي.

ومن زاوية القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن هذا الوضع يطرح تساؤلات جدية حول مدى وفاء الدولة بالتزاماتها الدولية. فالمغرب، باعتباره طرفًا في عدد من الاتفاقيات الأساسية، ملزم بضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون تمييز، وبالربط العضوي بين الحقوق اللغوية والحق في مستوى معيشي لائق، والصحة، والتعليم، والتنمية. وقد أكدت توصيات وآراء صادرة عن هيئات الأمم المتحدة مرارًا أن الاعتراف بالهوية والثقافة يجب أن يواكبه إدماج فعلي في السياسات العمومية، وأن المقاربات الرمزية لا تشكل بديلاً عن العدالة الاجتماعية.

إن الحركة الأمازيغية، في جوهرها، لم تكن يومًا حركة مطلبية ثقافية فقط، بل حملت منذ نشأتها بعدًا حقوقيًا واجتماعيًا، مرتبطًا بالكرامة والإنصاف والمواطنة المتساوية. واليوم، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يعد هو انتزاع الاعتراف، بل ضمان ألا يتحول هذا الاعتراف إلى غطاء لإدامة التهميش الاقتصادي والاجتماعي. فالأمازيغية لا تختزل في اللغة والرمز، بل في الحق في الأرض، والثروة، والخدمات، والعيش الكريم.

إن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية يجب أن يكون مناسبة للمساءلة الحقوقية، وليس فقط للطقوس والبلاغات الرسمية. فدون معالجة التراجع في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ودون ربط رسمية الأمازيغية بالعدالة المجالية والتنمية المنصفة، سيظل الاعتراف الدستوري منقوصًا، وستبقى الكرامة اللغوية بلا سند اجتماعي حقيقي. فالأمازيغية، في نهاية المطاف، قضية حقوق إنسان شاملة، واختبار فعلي لمدى جدية الدولة في بناء مغرب المواطنة الكاملة.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *