ثوابت -الرباط-
بمناسبة السنة الأمازيغية، يواصل موقع ثوابت قراءته الحقوقية لإعلان القبايل، ليس من باب الترويج لخيار سياسي بعينه، بل من منطلق تحليل السياق الذي يجعل جزءًا مهمًا من النخب والنشطاء القبائليين يعلّقون آمالًا متزايدة على قيادات في الخارج، وفي مقدمتها فرحات مهني ورفاقه، باعتبارهم واجهة سياسية وإعلامية لقضية يرونها مغلقة بالكامل داخل الجزائر.
ففي ظل ما يوصف على نطاق واسع داخل الأوساط الحقوقية بـالقمع الجماعي الذي طال منطقة القبائل، والحصار الأمني غير المعلن، والاعتقالات الواسعة، والمحاكمات السياسية باستعمال قانون الإرهاب ضد نشطاء سلميين، تبلورت لدى فئات من الساكنة قناعة بأن العمل من داخل البلاد لم يعد ممكنًا أو آمنًا. هذا الانسداد السياسي هو ما يفسر، جزئيًا، انتقال مركز الثقل لدى بعض التيارات القبائلية نحو الخارج، حيث يُنظر إلى مهني ورفاقه كصوت بديل قادر على تدويل القضية.
ويُنظر إلى العلاقات الدولية التي نسجها هذا التيار، خصوصًا في فرنسا و**الولايات المتحدة الأمريكية**، باعتبارها عنصر أمل لدى جزء من القبائل، ليس فقط من حيث إيصال صوتهم إلى الرأي العام الدولي، بل أيضًا من حيث البحث عن حماية سياسية وحقوقية في مواجهة ما يعتبرونه سياسة قمع ممنهجة داخل الجزائر. ويستند هذا الأمل إلى قناعة مفادها أن التدويل، في غياب أي أفق للحوار الداخلي، قد يشكل ورقة ضغط على السلطات، أو على الأقل وسيلة لكسر العزلة المفروضة على المنطقة.
ضمن هذا التصور، يتم تقديم مشروع الدولة القبائلية، في الخطاب الصادر عن هذا التيار، كدولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان والتعددية والحريات الفردية، وتسعى إلى الاندماج في النظام الدولي على أساس السلم والتعاون. وبغض النظر عن مدى واقعية هذا الطرح أو حظوظه السياسية، فإن حضوره المتزايد في النقاش العام يعكس حجم اليأس الذي راكمته سياسات القمع والتجريم، وليس بالضرورة إجماعًا داخل المجتمع القبائلي، الذي يظل متنوعًا في مواقفه وتصوراته للمستقبل.
ومن منظور حقوقي، لا يمكن فصل تنامي هذه الآمال عن البيئة التي وُلدت فيها. فحين تُغلق الساحات السياسية الداخلية، ويُجرَّم الرأي، وتُستعمل قوانين استثنائية لإسكات النشطاء، يصبح اللجوء إلى الخارج، وإلى العلاقات الدولية، خيارًا تلجأ إليه فئات واسعة من الحركات الاحتجاجية عبر العالم. وتجارب التاريخ الحديث تُظهر أن تصاعد الخطابات الانفصالية غالبًا ما يكون نتيجة مباشرة لسياسات الإقصاء والقمع، وليس سببًا لها.
إن استحضار هذه المعطيات خلال السنة الأمازيغية يسلط الضوء على حقيقة أساسية، مفادها أن القضية القبائلية لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الهوية، بل من زاوية أزمة حقوق وحريات عميقة. وبين آمال جزء من القبائل في مهني ورفاقه، ورهانات العلاقات الدولية، واستمرار القمع في الداخل، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل تستمر المقاربة الأمنية في إنتاج مزيد من القطيعة، أم يتم فتح أفق سياسي وحقوقي يعيد الاعتبار للحوار، ويُنهي منطق التجريم والعقاب الجماعي؟
في كل الأحوال، فإن السنة الأمازيغية تظل لحظة رمزية للتذكير بأن الكرامة والحرية والعدالة هي الأساس لأي استقرار حقيقي، وأن تجاهل هذه القيم لا يصنع وحدة، بل يؤجل الأزمات ويعمّقها.
One Response
كل التضامن