موقع ثوابت – قراءة في الحكامة المحلية
مدخل: سلطة تحت المساءلة
أضحت الشرطة الإدارية في عدد من الجماعات الترابية بالمغرب موضوعًا لنقاش واسع، ليس بسبب نجاعتها في تنظيم الفضاء العام، بل بفعل تزايد الاتهامات بالمحسوبية والتمييز في تطبيق القانون. وبين شكايات المواطنين والتجار، وتفاوت القرارات بين حالات متشابهة، يبرز سؤال مركزي: هل تمارس الشرطة الإدارية وظيفتها القانونية أم تخضع لحسابات أخرى غير معلنة؟
صلاحيات ضرورية… ولكن
تتوفر الشرطة الإدارية على صلاحيات أساسية تشمل مراقبة الأنشطة التجارية، تحرير الملك العمومي، احترام شروط السلامة والصحة، وتنفيذ قرارات السلطة المحلية. غير أن خطورة هذه الصلاحيات تكمن في غياب ضوابط واضحة وموحدة لممارستها، ما يجعلها عرضة للتأويل، وأحيانًا للاستعمال الانتقائي بدل التطبيق العادل للقانون.
القانون بميزانين: شكايات لا يمكن تجاهلها
تتحدث شكايات متطابقة في عدد من المدن عن:
-
تدخلات فجائية دون إنذار أو تعليل
-
تساهل مع خروقات “معلومة” وتشدد مع أخرى
-
اختلاف في العقوبات بين أحياء متجاورة
-
استعمال المراقبة كأداة ضغط أو ابتزاز غير مباشر
هذه الوقائع، حتى في غياب أحكام قضائية نهائية، تكشف عن أزمة ثقة حقيقية بين المواطن والإدارة.
جوهر الخلل: حين يطغى الهاجس الانتخابي
من أخطر الإشكالات البنيوية التي تطبع عمل الشرطة الإدارية، كون رئاستها أو الإشراف المباشر عليها يتم من طرف أعضاء بالمجالس المنتخبة. هذا الوضع يجعل تدخلاتها، في حالات عديدة، خاضعة لمنطق الربح السياسي والهاجس الانتخابي بدل الالتزام الصارم بالقانون.
فبدل أن تكون الشرطة الإدارية جهازًا محايدًا، تتحول أحيانًا إلى أداة تصفية حسابات سياسية أو حماية دوائر انتخابية بعينها، وهو ما يضرب مبدأ المساواة أمام القانون، ويُفرغ مفهوم السلطة من بعدها المؤسساتي.
تداعيات خطيرة على دولة القانون
إن التطبيق الانتقائي للقانون لا يقل خطورة عن تعطيله، لأنه:
-
يكرّس الإحساس بالظلم والحيف
-
يقوّض الثقة في المؤسسات المحلية
-
يفتح الباب أمام الزبونية والفساد
-
يغذي الاحتقان الاجتماعي في المدن
وهو ما يتناقض مع مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الحل ليس ترقيعيًا: إصلاح مؤسساتي مطلوب
تجاوز هذا الوضع لا يمر عبر تعليمات ظرفية أو حملات موسمية، بل عبر إصلاح هيكلي عميق يقوم على:
-
فصل مؤسسة الشرطة الإدارية عن المجالس المنتخبة وكل تأثير سياسي مباشر؛
-
إحداث مؤسسة وطنية مستقلة للشرطة الإدارية، بقانون منظم وصلاحيات واضحة؛
-
تطعيمها بكوادر قانونية وتقنية متخصصة في التعمير، الصحة، البيئة، والسلامة؛
-
إحداث المعهد الوطني لتكوين الشرطة الإدارية، للتكوين الأساسي والمستمر، وترسيخ ثقافة الحياد، حقوق الإنسان، والنزاهة.
نحو مدن منسجمة وجميلة
إن بناء مدن منظمة، جميلة، ومنسجمة لا يتحقق عبر الزجر الانتقائي أو الحملات الاستعراضية، بل عبر شرطة إدارية مهنية، مستقلة، وعادلة. جهاز يحمي الملك العمومي دون انتقائية، وينظم الفضاء الحضري دون تعسف، ويطبق القانون دون خوف أو مجاملة.
خاتمة: من يراقب السلطة؟
إن إخضاع الشرطة الإدارية للمساءلة، وفصلها عن الحسابات السياسية، ليس ترفًا مؤسساتيًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء دولة القانون والمؤسسات. فحين يصبح القانون فوق الجميع، وتُمارس السلطة بحياد، فقط آنذاك يمكن الحديث عن إدارة في خدمة المواطن، لا في خدمة الانتخابات.