ثوابت-تحليل-
بقلم: ابو القاسم س
لم يكن مسار المجلس الوطني للصحافة مسارًا طبيعيًا أو تراكميًا بالمعنى المؤسساتي للكلمة، بل جاء منذ بدايته محمّلًا بتناقضات عميقة جعلت منه تجربة إشكالية في التنظيم الذاتي للصحافة. فقد وُلد المجلس في سياق سياسي وتشريعي معقّد، أشبه بـ«ولادة قيصرية»، فرضتها اعتبارات المرحلة أكثر مما أفرزها نضج مهني توافقي داخل الجسم الصحفي.
من حيث المبدأ، لا خلاف حول الحاجة الموضوعية إلى هيئة تُنظم المهنة، وتحمي أخلاقياتها، وتُجنب الصحافة منطق المتابعة الزجرية المباشرة. غير أن الإشكال لم يكن يومًا في الفكرة، بل في كيفية التنزيل، وفي طبيعة الشرعية التي أُسندت للمجلس منذ لحظة التأسيس. فغياب توافق مهني واسع حول آليات التمثيل والانتخاب جعل المجلس يبدأ مساره وهو يواجه تشكيكًا مستمرًا في مشروعيته، وهو تشكيك لم يكن عابرًا، بل تحوّل مع الزمن إلى عنصر بنيوي في علاقته بجزء كبير من الصحفيين.
هذا التوتر الأصلي انعكس لاحقًا على أداء المجلس ووظائفه. فبدل أن يتحول إلى فضاء جامع للتنظيم الذاتي والتحكيم المهني، وجد نفسه في كثير من الأحيان في موقع دفاعي، يحاول إثبات شرعيته أكثر من انشغاله بتطوير المهنة. ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين انتظارات الصحفيين ودور المجلس، خاصة في ظل سياق عام يتسم بهشاشة المقاولات الإعلامية، وتراجع شروط العمل الصحفي، وتنامي الإحساس بأن أخلاقيات المهنة تُستعمل أحيانًا كأداة ضبط أكثر منها كآلية حماية.
في هذا السياق المأزوم، جاء قرار المحكمة الدستورية ليعيد النقاش إلى مربعه الدستوري الصحيح. فالقرار، في جوهره، لم يكن مجرد حسم تقني في مقتضيات قانونية، بل رسالة واضحة مفادها أن الشرعية لا تُستدام خارج القواعد الدستورية، وأن التدبير الاستثنائي أو الانتقالي لا يمكن أن يتحول إلى وضع دائم. وهو ما أعاد طرح سؤال التمثيلية، والانتخاب، وحدود التدخل التشريعي في هيئة يُفترض أنها تجسيد للتنظيم الذاتي.
يُبرز القرار، بشكل غير مباشر، أن أزمة المجلس ليست فقط أزمة آجال أو ولايات منتهية، بل أزمة تصور لدور المجلس ذاته: هل هو هيئة مهنية مستقلة نابعة من إرادة الصحفيين، أم جهاز شبه إداري يُدبَّر بمنطق الاستثناء؟ هذا السؤال ظل مؤجلًا لسنوات، وها هو اليوم يُفرض بقوة بفعل الرقابة الدستورية، التي أعادت الاعتبار لمبدأ سمو الدستور على منطق التدبير بالأمر الواقع.
غير أن ربط الأزمة فقط بالشق القانوني يظل مقاربة قاصرة. فالتعثر الذي يعرفه المجلس هو أيضًا نتيجة مباشرة لغياب ثقة حقيقية بينه وبين القاعدة الصحفية، ولعدم إشراك المهنيين بشكل فعلي في صياغة الخيارات الكبرى المتعلقة بمستقبل مهنتهم. وقد أظهرت التجربة أن أي تنظيم ذاتي لا يستند إلى قبول مهني واسع، ولا يُبنى على آليات ديمقراطية واضحة، يظل هشًا وقابلًا للاهتزاز عند أول اختبار.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار قرار المحكمة الدستورية لحظة فاصلة، لا فقط لتصحيح مسار قانوني، بل لإعادة فتح نقاش أعمق حول نموذج تنظيم الصحافة بالمغرب. نقاش ينبغي أن يتجاوز منطق الترقيع أو الحلول المؤقتة، ويتجه نحو بناء مجلس يستمد قوته من شرعيته المهنية، لا من النص وحده، ويجعل من أخلاقيات المهنة رافعة لحماية حرية الصحافة، لا أداة لتقييدها.
إن مستقبل المجلس الوطني للصحافة لن يُحسم بتعديل قانوني معزول، بل بمدى توفر إرادة سياسية ومهنية حقيقية للقطع مع منطق الولادة القيصرية، والانتقال إلى نضج مؤسساتي حقيقي، قوامه الانتخاب، والتمثيلية، والاستقلالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ودون ذلك، سيظل المجلس يدور في حلقة التعثر، مهما تغيّرت النصوص وتبدّلت الصيغ.