يتواصل الجدل حول تكريم مؤسسة وسيط المملكة لمسؤول إداري سامٍ بقطاع التربية الوطنية، حيث عبّر فاعلون حقوقيون وتربويون عن رفضهم للخطوة معتبرين أنها تثير تساؤلات حول دلالاتها المؤسسية ومدى انسجامها مع الدور الرقابي والوساطي للمؤسسة، في ظل استمرار النقاش العمومي والقضائي بشأن اختلالات تدبيرية ومالية مرتبطة بالقطاع. وفيما يلي النص الكامل كما توصل به موقع ثوابت من طرف النقابي “أ”:
إثار تكريم مؤسسة الوسيط لمسؤول إداري سامٍ بقطاع التربية الوطنية مفارقةً عميقة، لا تتصل بالشخص كفرد فحسب، بل تمسّ جوهر الدور الدستوري والقانوني لمؤسسة أُنشئت أصلًا لحماية المرتفقين، والانتصار لمبدأ العدل، ورصد اختلالات الإدارة ومساءلتها، لا مكافأتها رمزيًا.
فمؤسسة وسيط المملكة، كما يؤطرها القانون رقم 16.14، تضطلع بمهام الوساطة، وتتبع شكايات المرتفقين، والتنبيه إلى أعطاب التدبير الإداري، واقتراح سبل الإصلاح، مع الالتزام الصارم بالحياد والاستقلال عن الإدارات موضوع التظلمات. ومن هذا المنطلق، فإن أي فعل رمزي يصدر عنها، وعلى رأسه فعل “التكريم”، لا يمكن فصله عن الرسالة التي يحمله، ولا عن أثره الرمزي في الوعي العمومي.
غير أن تكريم المفتش العام لقطاع التربية الوطنية، في سياق ما يزال مطبوعًا بنقاش عمومي وقضائي حول اختلالات مالية وتدبيرية جسيمة عرفها القطاع خلال سنوات سابقة، يطرح سؤالًا جوهريًا ومقلقًا: كيف لمؤسسة أُنشئت لمساءلة الإدارة أن تُكرِّم أحد أبرز أركانها الرقابية، في سياق لم تُحسم فيه بعد كل الشبهات المرتبطة بمرحلة تدبيره؟ وهو طرف في ملفات انتقلت الى القضاء!!!!!
ويزداد هذا السؤال حدّة حين يُستحضر أن المسؤول المعني:
- قام بترشيح نفسه بشكل منفرد لشغل منصب الكاتب العام للوزارة، دون أي منافسة أو ترشيح بديل.
- يواصل ممارسة مهام المفتش العام رغم تجاوزه سنّ التقاعد القانوني، في وضعية تطرح علامات استفهام قانونية وأخلاقية حول مشروعية الاستمرار، وحدود المسؤولية، ومبدأ التداول على المناصب.
- يُنظر إليه داخل القطاع باعتباره أحد “صقور” الوزارة، بما يحمله ذلك من دلالة على التمركز المفرط للسلطة، والتحكم في مفاصل الرقابة بدل تفعيلها.
إن هذا التكريم لا يمكن فصله عن السياق الإداري والسياسي الذي يتم فيه، ولا عن احتمال قراءته كدعم رمزي غير معلن لمسار إداري معيّن، أو كإشارة سياسية لتيسير شغل منصب الكاتب العام، في تعارض واضح مع مبدأ تكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ام ان الهدف ابقاء ملفات الفساد مغلقة .
كما أن الإشكال لا يقتصر على الرمزية، بل يمتد إلى حصيلة المفتشية العامة نفسها، التي ظلّت، خلال سنوات ، عاجزة عن التفعيل الصارم لمقتضيات قوانين رقابية أساسية، من بينها:
- القوانين المؤطرة لمهام التفتيش والمراقبة والتدقيق المالي.
- الالتزامات المرتبطة بإحالة التقارير ذات الطابع الزجري على الجهات المختصة.
- تفعيل مبدأ تتبع المسؤوليات وترتيب الجزاءات الإدارية والقانونية.
وهو ما يطرح، بشكل مشروع، تساؤلات حول دور المفتشية العامة في ما عرفته بعض الأكاديميات الجهوية، ومنها أكاديمية بني ملال–خنيفرة سابقًا، من اختلالات مالية وتدبيرية تم السكوت عنها اكثر من ست سنوات والدعم الذي كان يحضى به هذا المدير الجهوي من طرف المتنفذين بالوزارة على راسهم الكاتب العام السابق والمفتش العام الحالي، انتهت بهروبه او تهريبه تاركا وراءه اكاديمية بني ملال خنيفرة في خراب وهي فضيحة فاقت المتوقع ، وجاء ذلك بعد متابعته قضائيا وإغلاق الحدود في وجهه وخروجه بكفالة بسبب شكاية تقدم بها الكاتب الجهوي للجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديمقراطي بني ملال السابق اسماعيل امرار ضد مدير الاكاديمية . وهنا تبرز تخلي أجهزة الرقابة المركزية عن مسؤولياتها في ما آل إليه الوضع.
إن مؤسسة الوسيط ، وهي تمارس أدوارها الدستورية، مطالَبة اليوم، بالحفاظ على المسافة الأخلاقية والقانونية الفاصلة بينها وبين الإدارة موضوع التظلمات. فكل خلط بين دور الوسيط ومنطق التكريم الإداري، يُفرغ الوساطة من بعدها الرقابي، ويزيد من فقدان ثقة المواطن في جدوى اللجوء إليها.
فالعدل لا يُؤسَّس بالتكريمات، بل يُقاس بمدى الجرأة على مساءلة السلطة، لا بمكافأتها رمزيًا.