ثوابت -ادريس السدراوي
متابعة البنعيسي… رسالة مقلقة لحرية التعبير
في تطور يثير القلق، تم وضع المدون واليوتوبر حفيظ البنعيسي، صاحب قناة “المواطن”، رهن تدابير الحراسة النظرية على خلفية شريط تضمّن نقدًا ذاتيًا وردًا على حملة تشهير استهدفت زوجته بشكل مهين ومسّ بكرامتها. غير أن هذه المتابعة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع، حيث بات يُلاحظ أن التعبير—even عندما يكون دفاعيًا—يُقابل بتشدد واضح، بينما تمر حملات التشهير المنظمة، التي تمس الأفراد وأسرهم، دون نفس الصرامة.
إن ما حدث لا يطرح فقط إشكالية قانونية المتابعة، بل يكشف عن اختلال عميق في ميزان حماية الحقوق، حيث يبدو أن الرد على التشهير قد يُكلف صاحبه المتابعة والحرية، في حين يواصل مُطلقو الاتهامات الخطيرة نشاطهم دون ردع فعلي، وهو ما يشكل رسالة سلبية ومقلقة لكل من يمارس حقه في التعبير.
“تحفة” والتشهير الممنهج… خطاب خطير خارج أي مساءلة
في المقابل، يبرز اسم “محمد تحفة” كأحد أبرز تجليات الانفلات الرقمي، بعد تصريحات تضمنت اتهامات جسيمة في حق عدد من المواطنين، من ضمنهم صحفيون وحقوقيون، بارتكاب جرائم خطيرة كـالقتل والاغتصاب، بل والحديث عن “مقابر جماعية”، دون تقديم أي أدلة أو اللجوء إلى القضاء. الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لم يقف عند حدود الاتهام، بل تجاوزه إلى استعمال عبارات سب وقذف وانحدار لغوي يمس الكرامة الإنسانية.
إن استمرار هذا النوع من الخطاب دون تدخل حازم يطرح أكثر من علامة استفهام، ويعكس تسامحًا غير مبرر مع التشهير، بل وقد يُفهم كتشجيع ضمني على استباحة الحياة الخاصة للأفراد، وضرب مصداقية النقاش العمومي في الصميم.
توظيف الأسماء الفنية… شرعنة غير مباشرة للتشهير
المعطى الأكثر إثارة للجدل يتمثل في الإشارة إلى الحضور المتكرر للمشهر المذكور إلى جانب الفنانة لطيفة رأفت في عدد من الحفلات العامة والخاصة، وهو ما تم توظيفه، وفق المعطيات المتداولة، لإضفاء نوع من القبول الاجتماعي أو “الشرعية الرمزية” على خطاب التشهير. هذا التداخل بين المجال الفني وخطابات التشهير يطرح إشكالًا أخلاقيًا حقيقيًا، إذ لا يمكن القبول بأن تتحول الرمزية الفنية إلى غطاء غير مباشر لممارسات مسيئة أو إلى وسيلة لتلميع خطاب يقوم على الاتهام والتشهير.
كما أن استمرار هذا التوظيف دون توضيح أو موقف واضح يزيد من تعقيد المشهد، ويغذي الشكوك حول طبيعة هذا التداخل وحدوده.
انتقائية المتابعة… ازدواجية تهدد دولة القانون
المفارقة الصادمة تكمن في أن سرعة تحريك المتابعة في حق مدون بسبب محتوى تواصلي تقابلها، في المقابل، بطء أو غياب نفس الصرامة في مواجهة حملات تشهير تتضمن اتهامات جنائية خطيرة. هذا الوضع يكرس انطباعًا خطيرًا مفاده أن القانون لا يُطبق بنفس المعايير على الجميع، وأن هناك انتقائية في ترتيب الأولويات القضائية.
إن خطورة هذا المنحى لا تقف عند حدود الإضرار بالأفراد، بل تمتد إلى تقويض الثقة في العدالة نفسها، وهو ما يشكل تهديدًا حقيقيًا لدولة الحق والقانون، التي يفترض أن تقوم على المساواة والحياد والإنصاف.
بين حرية التعبير والفوضى الرقمية… أين الخط الفاصل؟
لا يمكن بأي حال الدفاع عن التشهير أو نشر اتهامات خطيرة دون أدلة، كما لا يمكن القبول بتحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة لتصفية الحسابات وانتهاك الحياة الخاصة. لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا تحويل القانون إلى أداة لتقييد حرية التعبير، خاصة عندما يتعلق الأمر بالرد على حملات مسيئة أو الدفاع عن الكرامة.
إن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في إعادة التوازن بين حماية حرية التعبير والتصدي الحازم للتشهير، مع ضمان المساواة في تطبيق القانون، حتى لا تتحول العدالة إلى أداة انتقائية بدل أن تكون ضمانة للحقوق.
لحظة اختبار حقيقية للعدالة المغربية
إن ما يجري اليوم لا يتعلق بقضية معزولة، بل يعكس وضعًا مركبًا يضع منظومة العدالة أمام اختبار حقيقي. فإما أن يتم التعامل مع جميع الأطراف بنفس الصرامة القانونية، وفق معايير واضحة وعادلة، أو يستمر منطق الانتقائية بما يحمله من مخاطر على الحقوق والحريات.
فلا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي في ظل تشهير بلا عقاب، وحرية تعبير مهددة، وعدالة تُتهم بالازدواجية. إنها لحظة تفرض الوضوح والحزم، وتستدعي ترسيخ عدالة منصفة لا تميّز بين المواطنين، وتضع القانون فوق الجميع.