جنيف ليست رحلة دبلوماسية… بل امتحان لصدق الالتزام الحقوقي في المغرب

بقلم: إدريس السدراوي

مع انطلاق أشغال الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان بقصر الأمم في جنيف، يسجل المغرب حضورًا رسميًا وازنًا يعكس أهمية الدبلوماسية الحقوقية داخل السياسة الخارجية الوطنية، ويؤكد حرص الدولة على التفاعل مع الآليات الأممية والانخراط في النقاشات الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان.

غير أن قيمة هذا الحضور لا تُقاس فقط بمستوى التمثيل أو عدد الوفود، بل بمدى قدرة المشاركة المغربية على نقل انشغالات المجتمع، وتقديم أجوبة حقيقية حول التحديات الحقوقية المطروحة داخليًا، وتحويل النقاش الدولي إلى إصلاحات ملموسة يشعر بها المواطن داخل وطنه.

السكن اللائق: أسئلة الإخلاء القسري قبل الخطاب الدولي

إدراج الحق في السكن اللائق ضمن جدول أعمال المجلس يفرض طرح ملف لا يزال مفتوحًا داخل المغرب، يتعلق بمئات الحالات المرتبطة بالإخلاء القسري وإقصاء أسر في إطار برنامج “مدن بدون صفيح”.
فبينما يُقدم البرنامج كنموذج ناجح في القضاء على السكن غير اللائق، ما تزال منظمات حقوقية تنتظر توضيحات رسمية حول معايير الاستفادة، وظروف الترحيل، والضمانات الاجتماعية للأسر المتضررة.

إن المنظمات الحقوقية المغربية تجد نفسها أمام مسؤولية دقيقة: فهي مطالبة بتقديم معطيات موضوعية لمجلس حقوق الإنسان، لكنها في المقابل تحتاج إلى أجوبة رسمية شفافة حتى لا تقدم للمجلس صورة غير مكتملة أو معطيات قد لا تعكس الواقع بدقة. فالمصداقية الدولية تبدأ من الشفافية الوطنية.

الديون والحقوق الاجتماعية: أي توازن مطلوب؟

مناقشة آثار الديون الخارجية داخل المجلس تعيد طرح سؤال العدالة الاجتماعية، ومدى تأثير الاختيارات الاقتصادية على الحقوق الأساسية للمواطنين. فحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن تبقى خطابًا دوليًا، بل يجب أن تنعكس في السياسات العمومية المرتبطة بالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية.

الماء والغذاء: تحديات حقوقية في زمن الأزمات المناخية

في ظل الإجهاد المائي والتغيرات المناخية، يصبح الحق في الماء والغذاء اختبارًا حقيقيًا للعدالة المجالية والاستدامة. ويظل التحدي المطروح هو ضمان توزيع عادل للموارد وحماية الفئات الهشة، بعيدًا عن الحلول الظرفية التي لا تعالج جذور الأزمة.

الحريات وسلامة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان: بين الالتزام الدولي والواقع الوطني

تناقش الدورة كذلك قضايا الخصوصية وحرية التعبير وسلامة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وهي مؤشرات أساسية لقياس منسوب الثقة بين الدولة والمجتمع. فتعزيز الحقوق والحريات لا يتحقق فقط عبر الالتزامات الدولية، بل عبر بيئة وطنية تسمح بالنقد والتعددية واحترام الاختلاف باعتبارها عناصر جوهرية في أي مسار ديمقراطي.

وفي هذا السياق، يطرح حضور رئيس الوفد المغربي، بصفته المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان التابع لوزارة العدل، مفارقة حقوقية تستحق النقاش العمومي، خاصة وأن وزارة العدل خلال السنوات الأخيرة ارتبط اسمها بتقديم عدد مهم من الشكايات والمتابعات القضائية ضد صحفيين على خلفية قضايا مرتبطة بالنشر والتعبير، مع مطالب بعقوبات سالبة للحرية في بعض الملفات.

ولا يتعلق الأمر هنا بتقييم المسارات القضائية أو إصدار أحكام مسبقة، فذلك من اختصاص القضاء وحده، وإنما بطرح سؤال الانسجام بين الخطاب المقدم داخل المحافل الدولية حول حماية حرية التعبير وسلامة الصحفيين، وبين السياق الوطني الذي ما يزال يشهد نقاشًا واسعًا حول حدود المتابعة الجنائية في قضايا الصحافة والنشر.

إن تعزيز مصداقية الخطاب الحقوقي المغربي دوليًا يمر عبر تقليص هذه الفجوة المتصورة بين الالتزامات الدولية والممارسة الداخلية، والعمل على ترسيخ ضمانات قانونية ومؤسساتية تعزز حماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بما يكرس الثقة ويعزز صورة المغرب كفاعل منخرط فعليًا في تطوير منظومة الحقوق والحريات.

المجتمع المدني في جنيف: تمثيلية أم انتقائية؟

إلى جانب النقاش الموضوعي، تبرز تساؤلات مشروعة حول مشاركة المجتمع المدني المغربي في هذه الدورة.
من هي الجمعيات التي شاركت؟
وما هي معايير اختيارها؟
وهل تم اعتماد مسطرة شفافة تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الحقوقيين؟

إن تمثيل المجتمع المدني في المحافل الدولية يجب أن يعكس تعددية المشهد الحقوقي المغربي، لا أن يقتصر على فاعلين محددين. كما يظل النقاش قائمًا حول معايير دعم الجمعيات من طرف المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، ومدى احترام مبادئ الحياد والنزاهة والشفافية في تدبير هذا الدعم.

المشاركة الرسمية: خدمة الوطن أم مجرد حضور مكلف؟

ويبقى التساؤل مشروعًا حول جدوى هذه المشاركات الدولية ومدى انعكاسها الفعلي على الواقع الوطني: هل تخضع نتائج هذه المشاركات لتقييم حقيقي وموضوعي بعد انتهائها؟ وهل يتم نشر تقارير واضحة تبيّن للرأي العام ما تحقق من مكاسب وخبرات لصالح الوطن؟ ثم إلى أي حد تتحول النقاشات والتوصيات التي تُطرح داخل المحافل الدولية إلى سياسات عمومية وإصلاحات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟ فالمشاركة الناجحة لا تُقاس بالحضور أو التمثيل، بل بقدرتها على إحداث أثر حقيقي داخل البلاد وترجمة الالتزامات الدولية إلى واقع عملي يعزز الحقوق والحريات.

فبدون آليات واضحة للتقييم والمتابعة، قد تتحول المشاركة — في نظر الرأي العام — إلى مجرد رحلة رسمية مدفوعة الثمن من المال العام دون أثر حقيقي على الواقع الحقوقي.

نحو دبلوماسية حقوقية تشاركية

إن قوة المغرب داخل مجلس حقوق الإنسان لا تكمن فقط في الحضور الرسمي، بل في قدرته على تقديم نموذج دبلوماسية حقوقية تشاركية، تجمع بين صوت الدولة وصوت المجتمع، وتعتبر النقد قوة إصلاح لا مصدر إزعاج.

فجنيف ليست محطة بروتوكولية، بل فضاء للمساءلة الجماعية، وفرصة لتعزيز الثقة عبر الشفافية والانفتاح، وتحويل الالتزامات الدولية إلى واقع يلمسه المواطن المغربي في حياته اليومية, لأن الدفاع الحقيقي عن صورة الوطن في الخارج يبدأ دائمًا بتعزيز الحقوق داخله.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *