جيل ألفا ووسائل التواصل الاجتماعي في المغرب: هل نحتاج إلى “سنّ الرشد الرقمي”؟

مقال تحليلي بقلم: سعيدة ابو القاسم

لم يعد حضور الأطفال والمراهقين في الفضاء الرقمي بالمغرب مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بالتطور التكنولوجي، بل أصبح تحوّلًا اجتماعيًا عميقًا يعيد تشكيل أنماط التنشئة والتواصل والتعلم. فجيل الأطفال المولودين بعد سنة 2010، المعروف عالميًا بـ“جيل ألفا”، نشأ داخل بيئة رقمية متكاملة، حيث الهاتف الذكي ليس أداة إضافية بل جزء من الحياة اليومية. هذا الواقع الجديد يطرح سؤالًا جوهريًا أمام المجتمع المغربي: هل يمتلك أطفال اليوم النضج الكافي للتعامل مع عالم رقمي معقد، أم أن التشريعات والسياسات العمومية ما تزال متأخرة عن مواكبة هذا التحول؟

في المغرب، تسارع الانتشار الرقمي بوتيرة تفوق قدرة المؤسسات على التأطير والمواكبة. فقد أصبح الوصول إلى الإنترنت شبه عام داخل الأسر، وأضحى الأطفال يدخلون منصات التواصل الاجتماعي في سن مبكرة جدًا، أحيانًا قبل إتمام المرحلة الابتدائية. ولم تعد هذه المنصات فضاءات للترفيه فقط، بل تحولت إلى مصادر للتأثير الثقافي والاجتماعي وتشكيل الرأي والهوية. غير أن هذا الاندماج السريع في العالم الرقمي يتم غالبًا دون تكوين كافٍ في الثقافة الرقمية أو إدراك حقيقي لمخاطر الخصوصية والتنمر الإلكتروني أو الاستغلال التجاري للمحتوى الذي ينتجه القاصرون.

ورغم توفر المغرب على بعض المقتضيات القانونية المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية أو تجريم بعض الجرائم الإلكترونية، فإن هذه النصوص لم تُصمم أصلًا لمواجهة تحديات عصر الخوارزميات والمنصات العابرة للحدود. فالقوانين الحالية تعالج الأضرار بعد وقوعها، لكنها لا توفر منظومة وقائية شاملة تحمي الطفل قبل تعرضه للخطر. كما أن غياب تعريف واضح للحقوق الرقمية للطفل يجعل المسؤولية موزعة بشكل غير متوازن، حيث تتحمل الأسر والمدارس عبئًا يفوق قدرتها الفعلية، في حين تبقى شركات التكنولوجيا العالمية خارج أي التزام قانوني مباشر داخل السياق الوطني.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب لا يكمن في تقييد حرية الأطفال في استخدام الإنترنت، بل في تحقيق توازن دقيق بين الحق في الوصول إلى المعرفة والتعبير من جهة، والحق في الحماية من الأذى النفسي والاستغلال الرقمي من جهة أخرى. فالمقاربة القائمة على المنع أثبتت محدوديتها عالميًا، لكن غياب التنظيم يفتح المجال أمام اقتصاد رقمي قائم على جذب الانتباه بأي ثمن، حيث يصبح الطفل مستهلكًا للبيانات ومصدرًا للربح دون وعي أو حماية كافية.

من هنا يبرز مفهوم “سنّ الرشد الرقمي” باعتباره أداة تنظيمية جديدة، لا تهدف إلى إقصاء الأطفال من الفضاء الرقمي، بل إلى الاعتراف بأن التعامل مع الهوية الرقمية والبيانات الشخصية والمسؤولية القانونية للنشر يتطلب مستوى من النضج التدريجي. فكما يعترف القانون بسنّ للرشد المدني أو الجنائي، أصبح من الضروري التفكير في مرحلة انتقالية تمنح القاصر استقلالًا رقميًا متدرجًا تحت الحماية والتأطير، بدل تركه في فضاء مفتوح بلا ضوابط واضحة.

إن المغرب اليوم أمام فرصة لوضع سياسة عمومية استباقية تجعل من حماية الطفولة الرقمية جزءًا من مشروعه المجتمعي. ويتطلب ذلك تطوير إطار تشريعي خاص بحقوق الطفل في البيئة الرقمية، وإدماج التربية الإعلامية والرقمية داخل المناهج التعليمية بوصفها مهارة مواطنة أساسية، وليس مجرد معرفة تقنية. كما يستدعي الأمر إلزام المنصات الرقمية باحترام معايير حماية القاصرين، وتوفير آليات تبليغ فعالة وسريعة عن المحتوى الضار، إضافة إلى إنشاء آليات وطنية للرصد والدراسة تسمح بفهم التأثيرات النفسية والاجتماعية المتغيرة للتكنولوجيا على الأجيال الجديدة.

وفي المقابل، تظل الأسرة شريكًا أساسيًا في هذه المعادلة، لكنها تحتاج إلى الدعم والتأطير بدل تحميلها المسؤولية وحدها. فالتوعية الرقمية للأولياء، وتوفير أدوات رقابة أبوية مبسطة، وإطلاق حملات وطنية حول السلامة الرقمية، كلها عناصر ضرورية لبناء بيئة رقمية آمنة ومتوازنة.

إن سؤال سنّ الرشد الرقمي في المغرب ليس نقاشًا تقنيًا أو تربويًا فحسب، بل هو سؤال يتعلق بمستقبل المواطنة نفسها. فجيل ألفا سيبني علاقته بالدولة والمجتمع والقيم العامة عبر الفضاء الرقمي بقدر ما سيبنيها في الواقع المادي. وإذا لم تُصغ السياسات العمومية هذا التحول بوعي واستباق، فقد نجد أنفسنا أمام جيل شديد الاتصال بالعالم، لكنه ضعيف الحماية داخله. ولذلك فإن حماية الطفل المغربي اليوم لم تعد تبدأ فقط من المدرسة أو الشارع، بل تبدأ أولًا من الشاشة.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *