حين يُستدعى جلالة الملك بدل الاحتكام إلى القضاء: قراءة حقوقية في رسالة الرئيس السابق للمجلس الإقليمي لسيدي سليمان

بقلم: إدريس السدراوي
رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان

في الدول التي اختارت بناء دولة المؤسسات، لا تُختزل العدالة في الشعور الشخصي بالظلم، ولا تتحول الرسائل المفتوحة إلى بديل عن المساطر القضائية. فبين الادعاء بالإنصاف والحقيقة القانونية التي تنتجها المحاكم، يقف الدستور باعتباره المرجعية العليا التي تحدد أدوار المؤسسات وحدود اختصاصاتها.

الرسالة الموجهة إلى المقام العالي بالله من طرف الرئيس السابق للمجلس الإقليمي لسيدي سليمان، بعد صدور حكم قضائي نهائي في حقه يقضي بعشر سنوات سجنًا نافذًا، لا تطرح فقط قضية فردية، بل تعيد إلى الواجهة سؤالًا مؤسساتيًا بالغ الحساسية: ماذا يعني أن يُستدعى جلالة الملك في ملف استنفد جميع درجات التقاضي؟

لقد حسم دستور 2011 هذا الإشكال بوضوح حين نص في فصله الأول على فصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأكد في الفصل 107 استقلال السلطة القضائية، بينما منع الفصل 109 كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء. هذه المقتضيات ليست مجرد قواعد نظرية، بل ضمانات لحماية العدالة من أي ضغط سياسي أو اجتماعي أو رمزي.

القضية موضوع الرسالة مرت عبر المسار القضائي الكامل: محكمة ابتدائية، محكمة استئناف، ثم محكمة النقض باعتبارها أعلى هيئة قضائية بالمملكة. وعندما يصل ملف إلى هذه المرحلة، فإنه يكون قد خضع لرقابة قضائية متعددة تشكل في حد ذاتها ضمانة أساسية للمحاكمة العادلة كما ينص عليها الفصل 120 من الدستور.

غير أن المفارقة تكمن في أن خطاب المطالبة بالإنصاف يصدر في سياق مغادرة التراب الوطني لتفادي تنفيذ حكم قضائي نهائي. فدولة القانون لا تقوم فقط على حماية الحقوق، بل كذلك على احترام الأحكام القضائية باعتبارها التعبير العملي عن سيادة القانون المنصوص عليها في الفصل السادس من الدستور، الذي يجعل الجميع متساوين أمام القانون وملزمين بالامتثال له.

إن استدعاء المؤسسة الملكية في نزاع حُسم قضائيًا يضع النقاش في منطقة ملتبسة دستوريًا، لأن الملك، وفق الفصل 42 من الدستور، هو ضامن استقلال السلطة القضائية وحسن سير المؤسسات، وليس جهة استئناف فوق القضاء. واحترام هذه المكانة الدستورية يقتضي صون المؤسسة الملكية من أن تُستعمل كآلية لإعادة مناقشة وقائع قضائية انتهت مساطرها القانونية.

أما العفو الملكي، فهو آلية سيادية ذات بعد إنساني، لكنه لا يشكل طريقًا بديلًا للطعن في الأحكام أو لإعادة كتابة الوقائع القضائية. فلسفته تقوم على قيم الاعتراف بالمسؤولية وروح التسامح، خاصة عندما توجد ضحايا، لا على إنكار الأحكام أو تقديم روايات تناقض ما استقر عليه القضاء.

وتزداد الصورة تعقيدًا حين يتزامن خطاب طلب الإنصاف مع الاستعانة بمنصات التشهير الرقمي لاستهداف مدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين عبّروا عن تضامنهم مع ضحايا الملف، في تناقض واضح مع روح الحقوق والحريات التي يعلن التمسك بها. فالحقوق لا تُحمى بالضغط الإعلامي، ولا تُصان عبر التشهير، بل تُمارس داخل إطار المسؤولية القانونية والأخلاقية.

وفي النهاية، فإن احترام دولة الحق والقانون يقتضي أن تُطلب العدالة عبر مؤسساتها، وأن تُمارس الحقوق في إطارها الدستوري، وأن يُصان موقع جلالة الملك كضامن لاستقلال القضاء لا كبديل عنه، لأن قوة الدولة لا تقاس بعلو الخطاب، بل بمدى الالتزام بقواعدها الدستورية، ولأن الإنصاف الحقيقي لا يتحقق بتجاوز المؤسسات، وإنما بالاحتكام إليها.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *