ثوابت – تطوان
تقديم
في سياق النقاش المتجدد حول مستقبل اليسار المغربي وإمكانات توحيد صفوفه لمواجهة التحديات السياسية والاجتماعية الراهنة، احتضنت مدينة تطوان يوم الجمعة 12 مارس 2026 ندوة سياسية نظمها الفرع الإقليمي لحزب التقدم والاشتراكية، خُصصت لموضوع “وحدة اليسار المغربي: بين إكراهات الواقع ورهانات المستقبل”.
وشكل اللقاء مناسبة لتبادل الرؤى بين عدد من الفاعلين السياسيين والمهتمين بالشأن العام حول سبل تجاوز حالة التشتت التي تعرفها مكونات اليسار، وإمكانيات بناء دينامية وحدوية قادرة على إحداث توازن ديمقراطي داخل المشهد السياسي المغربي، خاصة في أفق الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026.
وفي هذا الإطار، قدم أحد المتدخلين مداخلة سياسية وفكرية تناول فيها الخلفيات التاريخية والسياسية لدعوات توحيد اليسار، مستعرضًا التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، والتي تجعل – في نظره – من التنسيق والتكتل بين القوى اليسارية والتقدمية خيارًا استراتيجيًا لمواجهة اتساع الفوارق الاجتماعية، والدفاع عن مشروع ديمقراطي قائم على العدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة الإنسانية.
كما تطرقت المداخلة إلى عدد من التجارب الدولية التي نجحت فيها قوى اليسار في توحيد صفوفها وتحقيق نتائج سياسية مهمة، سواء في أوروبا أو أمريكا اللاتينية، معتبرة أن هذه التجارب يمكن أن تقدم دروسًا مهمة لليسار المغربي في كيفية بناء جبهات سياسية واسعة قادرة على التأثير في موازين القوى.
وفي ما يلي النص الكامل للمداخلة التي قُدمت خلال هذه الندوة:
شكرًا لرفاقنا في تطوان، وخاصة الرفيق زهير الذي بذل جهدًا كبيرًا لإنجاح هذا اللقاء، لقاء يمكن اعتباره تاريخيًا وسيُسجَّل في سجل نضالاتنا. والشكر موصول لرفاقنا في الحزب الاشتراكي الموحد – فيدرالية اليسار الذين أظهروا استعدادهم الجاد للانخراط في هذه الدينامية ذات البعد السياسي والاستراتيجي.
أنا سعيد جدًا بالمشاركة مع رفاق أكنّ لهم كل التقدير والاحترام، لأننا نتقاسم الهمَّ نفسه، ويحدونا الطموح ذاته: بناء مغرب ديمقراطي متقدّم، مغرب يكفل الكرامة لجميع مواطنيه، مغرب المساواة بين الرجال والنساء، مغرب العدالة الاجتماعية والمجالية، مغرب تتبوأ فيه القوى الديمقراطية – وقوى اليسار بخاصة – مكانة الصدارة في المؤسسات المنتخبة، سواء على المستوى الوطني أو الجهوي أو المحلي.
وذلك مشروط بتوحيد الصفوف، والتعبئة حول أهداف وطنية مشتركة، ووضع حدّ للشتات و”البلقنة” التي أضعفت نجاعة عملنا.
القوة في الوحدة، وهذه قاعدة لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا. والوحدة هنا لا تعني التنازل عن الهوية، بل الوحدة في التنوع حول قواسم مشتركة عديدة، سنبيّنها خلال هذا اللقاء.
أولًا: للتذكير
حزب التقدم والاشتراكية كان دومًا وحدويًا، ويؤمن بوحدة اليسار إيمانًا راسخًا، وبناء جبهة تقدمية تضم جميع أطراف اليسار والقوى التقدمية والحركات الاجتماعية التي تؤمن بالعمل الوحدوي. أدبيات الحزب شاهدة على ذلك، وسنواصل هذا النهج متجاوزين كل الصعاب، لأننا نؤمن أشد الإيمان بأن أي حزب يساري/تقدمي لا يمكنه، لوحده، التأثير الجدي في مجرى الأحداث.
هذا موقف استراتيجي ثابت لن نحيد عنه أبدًا. لذلك نوجه نداءً صادقًا إلى رفاقنا في أحزاب اليسار للعمل سويًا في مصلحة بلدنا والجماهير الشعبية التي نمثلها أو نسعى إلى تمثيلها.
هذا النداء لا يقتصر على اليسار المؤسسي (الأحزاب) فحسب، بل يمتد إلى الحركة الاجتماعية التي تؤمن بالتغيير الديمقراطي، والنقابات العمالية والمهنية التي تتبنى أفكار اليسار والتقدم.
هذا الموقف لا تحكمه اعتبارات انتخابية ضيقة، بل إرادة قوية لتقوية الصف الديمقراطي، وإعادة الثقة في العمل السياسي، وإدماج الشباب في الحركية الاجتماعية، وفتح آفاق أمل أمام شعبنا الذي يعاني الفقر والحرمان.
ثانيًا: هل الشروط متوفرة للمّ صفوف اليسار؟
نجيب بدون تردد: نعم. وذلك استنادًا إلى العوامل التالية:
-
تطور كبير في التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية المغربية.
-
هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي، حيث يشكل العمل المأجور نحو 60% من السكان النشطين.
-
“بلترة” الفلاحين (تحولهم إلى عمال أجراء).
-
اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية.
-
تدهور الخدمات العمومية الاجتماعية.
-
مجتمع مدني نشيط: حركات نسائية، شبابية، نقابية.
-
انخفاض معدل الأمية، وأكثر من مليون طالب جامعي، إلى جانب آلاف الطلبة في المعاهد والمدارس العليا داخل الوطن وخارجه.
كما أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية ليست كلها سلبية؛ فلا ينبغي أن نكون عدميين.
وقد شهدت قضيتنا الوطنية تقدمًا نحو الحل النهائي (وهو إنجاز ساهمنا فيه كحركة تقدمية)، وهو انتصار لكل المغاربة، والفضل الكبير يعود إلى الدور الذي لعبه ملك البلاد.
هذه العوامل وغيرها تحثّ على وحدة اليسار، الذي نراه – للأسف – مجزأً، وهذه التجزئة تخدم الأوليغارشية واليمين الرجعي.
ثالثًا: الاستفادة من التجارب الدولية
علينا الاستفادة من تجارب دولية، سواء في أوروبا أو أمريكا اللاتينية، حيث أثبتت وحدة أطراف اليسار قدرتها على تحقيق نتائج إيجابية والفوز في الاستحقاقات.
ومن التجارب القريبة في شمال المتوسط:
-
البرتغال: صعود الحزب الاشتراكي إلى الحكم سنة 2015 بدعم برلماني من الحزب الشيوعي.
-
فرنسا: تكوين “الجبهة الشعبية الجديدة” سنة 2024 (وقبلها الاتحاد اليساري الجديد سنة 1972).
-
اليونان: تكتل اليسار (سيريزا) وفوزها سنة 2015.
-
إسبانيا: تحالف الحزب الاشتراكي مع بوديموس سنة 2019.
أما في أمريكا اللاتينية:
-
تشيلي: الوحدة الشعبية سنة 1970 مع سلفادور أليندي.
-
أوروغواي: الجبهة الواسعة سنة 1971 بضم نحو عشرة أحزاب.
وهناك تجارب أخرى تستحق الدراسة، مثل شعار “التوافق التاريخي” الذي رفعه زعيم الحزب الشيوعي الإيطالي إنريكو برلينغوير، وتحالفات بلجيكا المهمة.
رابعًا: رهانات 2026
تأتي استحقاقات 2026 في ظروف وطنية ودولية حاسمة.
وطنيًا:
-
تعثّر في ملفات كبرى.
-
بناء الدولة الاجتماعية.
-
تطبيق النموذج التنموي الجديد.
-
تطورات القضية الوطنية نحو الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية، وربما تعديل دستوري.
دوليًا:
-
القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمامات.
-
الفوضى العالمية والصراع على نظام عالمي جديد.
-
إعادة ترتيب التحالفات الدولية.
كل ذلك يفرض على قوى اليسار توحيد صفوفها لتغيير ميزان القوى داخل البرلمان، وليكون لها وزن حقيقي في التأثير على القرارات، بل وربما الحصول على المرتبة الأولى.
وفي كل الأحوال، فإن تكتل الأحزاب اليسارية سيؤدي إلى خلق توازن ديمقراطي حقيقي (بدل 14% من المقاعد في الولاية المنتهية).
الوحدة التي ننشدها تتجاوز الغرض الانتخابي، وتندرج في رؤية استراتيجية قد تقود إلى تشكيل حزب يساري كبير يجمع مختلف التيارات والحساسيات اليسارية والتقدمية والفكرية.
ندعو إلى مناقشة جميع الأفكار والمقترحات دون أفكار مسبقة. كل الاقتراحات قابلة للنقاش، ولا مانع لدينا من أي جهة. علينا الاستماع لبعضنا، ووضع كل القضايا – حتى المزعجة – على طاولة الحوار.
كل حزب له تجربته وتصوره، وهنا بالضبط يبرز ذكاؤنا الجماعي وعبقريتنا المشتركة، لنبلور “قاعدة مشتركة” تجمع المشترك وما هو قابل للتشارك، ونضع خلافاتنا على الهامش.
أنا على يقين بأن ما يجمعنا يفوق بكثير ما يفرقنا. وكما قال المفكر العظيم ماركس:
“لا تطرح البشرية على نفسها إلا المسائل التي تقدر على حلها”.
وراء هذه المقولة:
-
السياق المادي: التحديات مرتبطة بالوعي الاجتماعي والإمكانيات المتاحة.
-
السياق التاريخي: حل التناقضات يولّد الفعل.
-
التفاؤل التاريخي: طرح المشكلة يفتح الباب للحلول.
فلنكن متفائلين، ولنعمل جنبًا إلى جنب بصدق وعزيمة، واضعين نصب أعيننا مصلحة بلادنا وانتظارات شعبنا التوّاق إلى التغيير والعيش الكريم.
وشكرًا على حسن انتباهكم.