ثوابت: ادريس السدراوي
أصدر المجلس الأعلى للتخطيط تقريراً تحليلياً جديداً حول التحولات الديموغرافية والواقع الاجتماعي-الاقتصادي في المغرب، كاشفاً عن مرحلة انتقالية عميقة يعيشها المجتمع المغربي تتسم بتغيرات متسارعة في البنية السكانية وتطورات ملموسة في المؤشرات الاجتماعية، مقابل استمرار تحديات هيكلية ترتبط بالفوارق المجالية والهشاشة الاجتماعية وضغط التحضر المتنامي.
ويبرز التقرير أن المغرب دخل مرحلة متقدمة من انتقاله الديموغرافي، حيث ارتفع أمد الحياة وتراجع معدل الخصوبة إلى مستويات منخفضة، كما شهدت بنية الأسرة تحولات مهمة من حيث الحجم وعدد الأسر، إلى جانب ارتفاع سن الزواج وتزايد نسبة السكان الحضريين. وتفتح هذه التحولات آفاقاً اقتصادية واجتماعية مهمة، خاصة في ظل استمرار ارتفاع عدد السكان في سن النشاط، وهو ما يشكل ما يُعرف بالنافذة الديموغرافية التي يمكن أن تتحول إلى رافعة للنمو إذا اقترنت بسياسات فعالة في التشغيل والتكوين والاستثمار في الرأسمال البشري.
وفي الجانب الاجتماعي، يسجل التقرير تحسناً ملحوظاً في عدد من المؤشرات، من بينها تراجع الفقر متعدد الأبعاد، وتحسن مستوى التعليم، وانخفاض الأمية، وتطور ظروف السكن والبنيات الأساسية، وهو ما يعكس أثر البرامج الاجتماعية والاستثمارات العمومية خلال السنوات الأخيرة. غير أن هذه المكتسبات لا تخفي استمرار فوارق مجالية واجتماعية واضحة، حيث تظل بعض المناطق القروية والجهات الأقل نمواً أكثر عرضة للفقر والهشاشة، كما لا يزال جزء مهم من السكان معرضاً لخطر الانزلاق إلى الفقر في حال حدوث أزمات اقتصادية أو اجتماعية.
كما يشير التقرير إلى أن تسارع التحضر سيشكل أحد أبرز التحديات خلال العقود المقبلة، مع تزايد الضغط على البنيات التحتية والخدمات الأساسية في المدن، الأمر الذي يستدعي سياسات ترابية متوازنة تعزز التنمية الجهوية وتحد من التمركز الحضري غير المتكافئ. وفي المقابل، يبرز التحول الديموغرافي أيضاً تحديات مرتبطة بارتفاع نسبة المسنين مستقبلاً، وهو ما يفرض التفكير في إصلاحات مستدامة لأنظمة التقاعد وتعزيز جاهزية المنظومة الصحية والخدمات الاجتماعية.
ويخلص التقرير إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق التدبير القطاعي إلى رؤية تنموية مندمجة تجعل من الاستثمار في الإنسان، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتعزيز التشغيل اللائق، محاور أساسية لتحويل التحولات الديموغرافية الراهنة إلى فرصة تاريخية لدعم النمو الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.