بقلم ادريس السدراوي

تعكس الرسالة السامية التي وجّهها الملك محمد السادس بمناسبة اختتام الدورة الخامسة والثلاثين لكأس إفريقيا للأمم، رؤية استراتيجية عميقة تتجاوز الإطار الرياضي الظرفي، لتؤسس لخطاب متكامل يجمع بين الاعتراف بالمجهود الجماعي، وترسيخ قيم التعايش، والتأكيد على موقع المغرب كفاعل إفريقي ملتزم بحقوق الإنسان.
الاعتراف الجماعي والمواطنة الفاعلة
ينطوي تنويه جلالة الملك بكافة مكونات الأمة، دون استثناء، على مقاربة حقوقية واضحة تقوم على الاعتراف بالمواطنة الفاعلة وتكريس مبدأ المشاركة الجماعية في الشأن العام. فالنجاح، كما ورد في الرسالة، ليس إنجازًا مؤسساتيًا صرفًا، بل ثمرة انخراط شعبي واسع، وهو ما ينسجم مع جوهر الحقوق المدنية والسياسية التي تقوم على إشراك المواطن في الفعل العمومي وتعزيز الإحساس بالانتماء والمسؤولية المشتركة.
الرياضة كرافعة للكرامة الإنسانية والإدماج
يبرز في الرسالة البعد الإنساني للرياضة باعتبارها أداة لتحقيق الكرامة والاندماج الاجتماعي، خاصة من خلال الإشادة باختيار لاعبين من مغاربة العالم حملوا القميص الوطني. هذا المعطى يعكس تصورًا حداثيًا للمواطنة، قائمًا على الانتماء القيمي لا الجغرافي فقط، ويتقاطع مع مبادئ عدم التمييز والمساواة المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
إدانة ضمنية للعنف والتشهير وترسيخ ثقافة السلم
تعامل الرسالة مع الأحداث المؤسفة التي رافقت نهاية المباراة النهائية بلغة هادئة ومسؤولة، تُدين التصرفات المشينة دون الانزلاق إلى خطاب تحريضي أو إقصائي. وهذا الموقف يعكس التزامًا واضحًا بثقافة السلم ونبذ خطاب الكراهية، وهي قيم مركزية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، خصوصًا في سياق الهجرة والتنوع الثقافي.
إفريقيا كفضاء مشترك للحقوق والتضامن
التأكيد الملكي على أن “النجاح المغربي هو أيضًا نجاح لإفريقيا كلها” يحمل دلالة سياسية وحقوقية عميقة، إذ يُعيد توطين المغرب داخل محيطه الإفريقي كدولة وفية لروح الأخوة والتضامن. وهو تصور ينسجم مع التزامات المغرب القارية، لا سيما في ما يتعلق بحماية حقوق المهاجرين واللاجئين، وتعزيز التعاون جنوب–جنوب، وتيسير الاندماج واحترام الكرامة الإنسانية.
مواجهة محاولات التشهير بخطاب الحقوق والعقلانية
تُبرز الرسالة ثقة جلالة الملك في وعي الشعب المغربي وقدرته على التمييز بين الحقائق وخطابات التضليل، وهو ما يعكس إيمانًا راسخًا بحرية الرأي المسؤولة وبضرورة تحصين المجتمع ضد الشعبوية وخطابات التفرقة، دون المساس بحقوق التعبير أو الاختلاف.
انسجام الرسالة مع التزامات المغرب الدولية
تنسجم مضامين الرسالة الملكية مع التزامات المغرب الدولية، خصوصًا:
-
الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم
-
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
-
الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب
حيث تؤكد مجتمعة على التعايش، وعدم التمييز، واحترام الكرامة الإنسانية، والتضامن بين الشعوب.
خلاصة حقوقية
إن الرسالة الملكية السامية تؤسس لخطاب متوازن يجعل من الرياضة أداة دبلوماسية وحقوقية ناعمة، تُسهم في تعزيز صورة المغرب كبلد منفتح، إفريقي الجذور، ملتزم بحقوق الإنسان، ومناصر للتعايش والتضامن بين الشعوب. وهي رسالة تؤكد أن تدبير الاختلاف والأزمات لا يكون بالانغلاق أو الإقصاء، بل بالحكمة، واحترام القيم الكونية، والوفاء للالتزامات الدولية.