“لماذا يدفع المغاربة أكثر من العرب؟ الكازوال في المغرب ضمن الأعلى سعراً في المنطقة”

مقال تحليلي:

لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب مجرد انعكاس مباشر لتقلبات السوق الدولية، بل أصبح موضوع نقاش واسع يربطه العديد من المتتبعين بالسياسات الحكومية المعتمدة في تدبير هذا القطاع الحيوي، خاصة بعد قرار تحرير أسعار المحروقات وإلغاء نظام المقاصة منذ سنة 2015.

فهذا القرار، الذي قُدِّم آنذاك كخيار اقتصادي يهدف إلى تقليص نفقات الدولة وفتح السوق أمام المنافسة، أدى عمليًا إلى تحرير كامل للأسعار وربطها بالسوق الدولية وهوامش أرباح شركات التوزيع. غير أن هذا التحرير لم يواكبه نظام رقابي فعال أو آليات واضحة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما جعل أسعار المحروقات موضوع انتقاد واسع في ظل موجة الغلاء التي تعرفها البلاد.

وتزداد حدة هذا الجدل عندما تتم مقارنة أسعار الكازوال في المغرب مع باقي دول المغرب العربي. فالمغرب يعد اليوم من بين الدول الأعلى سعرًا في المنطقة، حيث يتجاوز سعر الكازوال في المغرب 10 دراهم للتر تقريبًا، بينما لا يتجاوز في الجزائر حوالي 3 دراهم تقريبًا بسبب الدعم الحكومي القوي للمحروقات، ويبلغ في تونس حوالي 8 دراهم تقريبًا، أما في ليبيا فيظل من بين الأرخص عالميًا بسبب الدعم الواسع الذي تقدمه الدولة لقطاع الطاقة.

وعند توسيع المقارنة إلى العالم العربي، يتضح الفارق بشكل أكبر، إذ لا يتجاوز سعر الكازوال في السعودية ما يعادل حوالي 6 دراهم للتر، وفي مصر حوالي 4 إلى 5 دراهم، فيما يبقى منخفضًا جدًا في دول منتجة للنفط مثل الكويت وقطر نتيجة سياسات الدعم المباشر أو غير المباشر لقطاع الطاقة.

صحيح أن هذه الدول تتمتع بإنتاج نفطي كبير يسمح لها بدعم الأسعار، في حين يعتمد المغرب بشكل شبه كامل على استيراد النفط ومشتقاته، غير أن العديد من الخبراء يرون أن المشكلة لا ترتبط فقط بعامل الاستيراد، بل كذلك بطبيعة السوق الداخلية بعد تحرير الأسعار، إضافة إلى مستوى الضرائب وهوامش الربح التي تحققها شركات التوزيع.

كما أن ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب ينعكس بشكل مباشر على تكلفة النقل والإنتاج والتوزيع، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات، ويخلق سلسلة من الزيادات تمس الحياة اليومية للمواطنين، خاصة في ظل جمود الأجور وتزايد تكاليف المعيشة.

وفي هذا السياق، يطرح العديد من المتتبعين تساؤلات حول مدى نجاعة السياسات الحكومية في ضبط سوق المحروقات، خاصة بعد الجدل الذي أثارته تقارير مجلس المنافسة حول أرباح شركات التوزيع وهوامش الربح المعتمدة في السوق.

ويرى منتقدو السياسة الحالية أن الدولة تخلت بشكل كبير عن دورها في تنظيم سوق استراتيجي يمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي، وأن تحرير الأسعار لم يكن مصحوبًا بإجراءات كافية لحماية الفئات الهشة والطبقة المتوسطة التي تتحمل اليوم العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار.

وفي ظل استمرار موجة الغلاء، تتصاعد الدعوات إلى إعادة النظر في نموذج تدبير قطاع المحروقات في المغرب، سواء عبر مراجعة سياسة تحرير الأسعار، أو تحديد سقف لهوامش الأرباح، أو اعتماد آليات دعم موجهة للفئات الأكثر تضررًا.

ويبقى ملف المحروقات اليوم أحد أبرز الاختبارات الحقيقية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، في وقت تتزايد فيه المطالب بسياسات أكثر توازنًا تراعي متطلبات السوق من جهة، وتحمي القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي من جهة أخرى.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *