محاربة التفاهة في المغرب: الانتقائية والتشهير والابتزاز والاصطفاف

 مقال تحليلي بقلم مدير النشر

في السنوات الأخيرة، برز شعار “محاربة التفاهة” في المغرب كعنوان جذّاب يُفترض أنه يستجيب لقلق مجتمعي حقيقي مرتبط بتدهور الخطاب العام، وتسطيح الوعي، وهيمنة الرداءة على الفضاء العمومي. غير أن هذا الشعار، بدل أن يتحول إلى مدخل لإصلاح ثقافي وإعلامي عميق، جرى في كثير من الحالات تفريغه من مضمونه وتحويله إلى أداة انتقائية تُستعمل لتصفية الحسابات، وفرض الاصطفاف، وممارسة الابتزاز، بل وتبرير التشهير الممنهج.

أولًا: التفاهة… مفهوم ملتبس وسهل التوظيف

لا يختلف اثنان حول خطورة التفاهة حين تتحول إلى نمط إنتاج للوعي الزائف، وتسويق السطحية، وإقصاء الفكر النقدي. لكن الإشكال الجوهري يكمن في من يحدد التفاهة؟ وبأي معيار؟
حين يُختزل المفهوم في أشخاص أو فئات بعينها، ويُستعمل كوصم جاهز بدل تحليل الظاهرة في عمقها البنيوي، فإنه يتحول من أداة نقد إلى سلاح إقصاء، يُشهر في وجه من يخرج عن السائد أو يزعج مراكز النفوذ.

ثانيًا: الانتقائية… استهداف الأسماء لا الظواهر

أخطر ما يطبع خطاب “محاربة التفاهة” هو الانتقائية الفجّة.
نرى حملات شرسة ضد أصوات معينة، مقابل صمت مريب تجاه ممارسات أكثر خطورة فقط لأنها تصدر عن “محميين” أو منسجمين مع خطاب مهيمن.
وهنا لا تعود المعركة معركة قيم، بل عملية فرز سياسي واجتماعي:
من داخل الدائرة يُغفر له،
ومن خارجها يُجرَّم ويُشيطَن.

ثالثًا: تصفية الحسابات… حين تُستعمل الأخلاق كغطاء

في كثير من الحالات، لا يتعلق الأمر بمحاربة التفاهة بقدر ما هو تصفية حسابات شخصية أو مهنية.
خلافات قديمة، صراعات نفوذ، أو تنافس على المساحة الإعلامية، تُلبس لباس “الدفاع عن القيم”، بينما حقيقتها صراع مواقع ومصالح.
وهكذا يتم توظيف الأخلاق بشكل انتهازي، فيُساء للقيم ذاتها، وتتحول من مرجعية إنسانية إلى أداة للضرب والإقصاء.

رابعًا: الابتزاز والاصطفاف… منطق الإخضاع الناعم

تطوّر الخطاب في بعض السياقات إلى منطق خطير:
إما أن تصطف،
أو تُستهدف.
إما أن تصمت،
أو تُشوَّه.
وهو منطق ابتزازي يُفرغ النقاش العمومي من معناه، ويحوّل الفضاء الرقمي والإعلامي إلى مجال للترهيب الرمزي بدل الحوار والحجة.

خامسًا: التشهير كسلاح… حين تُكسر كل الخطوط الحمراء

الأخطر من كل ما سبق، هو تطبيع التشهير وتحويله إلى أداة “مشروعة” تحت غطاء محاربة التفاهة.
أصبح التشهير وسيلة لتدمير السمعة، وانتهاك الحياة الخاصة، وكسر الأصوات المزعجة، خارج أي مسطرة قانونية أو أخلاقية.

والأخطر من ذلك، بروز مشهّرين محميين، تجاوزوا كل الخطوط الحمراء دون مساءلة:

  • خطوط القيم بانتهاكهم الحياة الخاصة للأفراد

  • خطوط الثوابت بالمسّ بكرامة الأشخاص والعائلات

  • خطوط الأخلاق بتحويل الاتهام إلى فرجة

  • وخطوط القانون بتنصيب أنفسهم قضاة وجلادين في آن واحد

فكيف يمكن الحديث عن محاربة التفاهة، بينما يُترك التشهير المنظم بلا محاسبة؟
وكيف يمكن الدفاع عن القيم، بينما يُكافأ من يخرقها إذا كان في “الاصطفاف الصحيح”؟

سادسًا: حين تتحول القيم إلى أداة هيمنة

أخطر أشكال التفاهة ليست المحتوى السطحي فحسب، بل تفاهة أخلاقية أخطر، تُشرعن الانتهاك، وتُبرر الظلم، وتحوّل العنف الرمزي إلى بطولة زائفة باسم “الجرأة” أو “فضح الفساد”.

حين تُختزل القيم في الولاء،
وتُربط المحاسبة بالاصطفاف،
ويُترك المشهّر محصّنًا لأنه يؤدي وظيفة،
نكون أمام منظومة كاملة لإنتاج الرداءة لا لمحاربتها.

خاتمة: المعركة الحقيقية

المعركة الحقيقية ليست ضد حرية التعبير، ولا ضد الاختلاف، بل ضد:

  • الانتقائية في المحاسبة

  • الحصانة غير المعلنة للمشهّرين

  • تطبيع التشهير والابتزاز كأدوات ضبط اجتماعي

لا معنى للحديث عن القيم إذا استُعملت كسياط.
ولا جدوى من محاربة التفاهة إذا أُديرت بعقلية التصفية والتخويف.
ولا أفق لنقاش عمومي سليم، ما دامت الكرامة الإنسانية أولى الضحايا.

إن محاربة التفاهة الحقيقية تبدأ بإعادة الاعتبار للعقل، والقانون، والعدالة، والمساءلة المتساوية…
وغير ذلك، ليس إلا تفاهة مقنّعة.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *