بقلم: ادريس السدراوي

مقدمة: يشكل تدبير الأراضي الجماعية أحد أعقد الملفات البنيوية بالمغرب، بالنظر إلى تداخله مع التاريخ والأعراف والاقتصاد والعدالة الاجتماعية. ورغم الإصلاحات التشريعية التي جاء بها القانون المتعلق بالجماعات السلالية، فإن واقع الممارسة أبان عن اختلالات عميقة، خاصة على مستوى نموذج نواب الجماعات السلالية، الذي بات عاجزًا في كثير من الحالات عن ضمان التمثيلية العادلة، والحكامة الرشيدة، وحماية حقوق ذوي الحقوق. وهو ما يفرض اليوم التفكير في تحول جذري في نموذج التدبير، بدل الاكتفاء بالمعالجة الجزئية أو الترقيعية.
أزمة التمثيلية والأمية القانونية
أظهرت التجربة الميدانية أن تولي بعض الأشخاص لمهام نواب الجماعات السلالية يتم أحيانًا دون توفر الحد الأدنى من التأهيل القانوني أو الإداري، بل إن حالات الأمية أو شبه الأمية ليست استثناءً. هذا الواقع يجعل النائب غير قادر على استيعاب القوانين المؤطرة للتفويت والاستغلال والتحفيظ، ولا على تقدير تبعات التوقيع أو اتخاذ القرار، ما يفتح الباب أمام الأخطاء الجسيمة، أو الاستغلال من طرف وسطاء ولوبيات عقارية، ويعرض مصالح الجماعة السلالية لمخاطر حقيقية قد تمتد آثارها لعقود.
تضارب المصالح وتحول النائب إلى طرف في النزاع
من أخطر مظاهر الاختلال التي كشفتها الممارسة، دخول بعض نواب الجماعات السلالية في نزاعات مباشرة مع الجماعة التي يمثلونها، أو حيازتهم الشخصية لمساحات شاسعة من الأراضي الجماعية، في مقابل حرمان أفراد آخرين من أي قطعة أرضية. هذا الوضع يفرغ مفهوم التمثيلية من مضمونه، ويجعل النائب في موقع الخصم والحكم في آن واحد، بما يقوض مبدأ الحياد، ويكرس منطق الامتياز بدل منطق المصلحة الجماعية.
الإقصاء والتفاوت الصارخ في الاستفادة
أفرز نظام النواب، في عدد من المناطق، تفاوتًا صارخًا في توزيع الاستفادة من الأراضي الجماعية، حيث راكم بعض الأفراد مساحات واسعة، في حين ظل عدد كبير من ذوي الحقوق، خاصة الشباب والأسر الهشة، بدون أي نصيب. هذا الاختلال لا يمكن تبريره بالأعراف أو بالتاريخ، بل يعكس خللًا في آليات اتخاذ القرار، وغياب معايير واضحة وشفافة للعدالة في التوزيع.
المواقف التراجعية من حقوق النساء السلاليات
رغم التنصيص القانوني الصريح على حق النساء السلاليات في الاستفادة، لا تزال بعض النيابات تتبنى مواقف تراجعية، عبر تعطيل التسجيل في لوائح ذوي الحقوق، أو التذرع بأعراف متجاوزة، أو الامتناع عن تنفيذ القرارات الإدارية والقضائية. هذا السلوك لا يشكل فقط خرقًا للقانون، بل يكرس تمييزًا ممنهجًا يتناقض مع الدستور، ومع التزامات المغرب الدولية في مجال المساواة وعدم التمييز.
حدود الإصلاح القانوني في ظل نموذج تقليدي
أثبتت هذه الاختلالات أن الإشكال لم يعد مرتبطًا فقط بالنصوص القانونية، بل بنموذج التدبير نفسه. فالإبقاء على نظام يقوم على التمثيل الفردي، وضعف المأسسة، وغياب القرار الجماعي، يجعل أي إصلاح تشريعي عرضة للتعطيل أو التحريف على مستوى التنفيذ. ومن ثم، فإن تجويد الممارسة يقتضي تغيير الإطار المؤسساتي الذي يُمارَس داخله هذا التدبير.
التعاونيات السلالية كبديل ديمقراطي ومؤسساتي
في هذا السياق، يبرز اقتراح تعويض نظام نواب الجماعات السلالية بإحداث تعاونيات سلالية كخيار ديمقراطي حديث، ينسجم مع روح الدستور ومبادئ الحكامة الجيدة. تقوم هذه التعاونيات على انخراط ذوي الحقوق، وانتخاب أجهزتها المسيرة بشكل ديمقراطي، واتخاذ قراراتها داخل جموع عامة معللة وموثقة، ما يضع حدًا للانفراد بالقرار، ويؤسس لممارسة جماعية قابلة للمراقبة والمساءلة.
التحفيظ والمشاريع كمدخل للأمن العقاري والتنمية
يسمح نموذج التعاونيات السلالية بإمكانية تحفيظ الأراضي الجماعية باسم التعاونية، في إطار قانوني مضبوط، وهو ما يعزز الأمن العقاري ويحد من النزاعات المزمنة. كما يفتح هذا الإطار المجال أمام إطلاق مشاريع فلاحية أو تنموية أو سياحية، والدخول في شراكات قانونية مع الدولة أو القطاع الخاص، بما يجعل الأرض الجماعية رافعة للتنمية المحلية وخلق فرص الشغل، بدل أن تبقى مصدرًا للصراع والريع.
إدماج النساء والشباب وضمان المساواة
يُعد النموذج التعاوني أكثر قدرة على ضمان المساواة الفعلية، من خلال تمكين النساء والشباب من العضوية الكاملة والمشاركة في اتخاذ القرار، بعيدًا عن الأعراف الإقصائية أو التأويلات الفردية. فالقانون التعاوني يفرض قواعد واضحة للانخراط، والتمثيل، والتسيير، والمحاسبة، ما يجعل المساواة ممارسة يومية لا مجرد مبدأ نظري.
نحو انتقال مؤطر ومسؤول
لا شك أن الانتقال من نظام النواب إلى التعاونيات السلالية يقتضي مراجعة تشريعية ومواكبة إدارية وتقنية من طرف الدولة، خاصة وزارة الداخلية والقطاعات المعنية. غير أن كلفة هذا الانتقال تظل أقل بكثير من كلفة الاستمرار في نموذج أثبت محدوديته، وأصبح مصدرًا للاحتقان الاجتماعي والنزاعات القضائية.
خاتمة
إن أزمة تدبير الأراضي الجماعية ليست أزمة أشخاص، بل أزمة نموذج. وتعويض نظام نواب الجماعات السلالية بتعاونيات سلالية منتخبة ديمقراطيًا يشكل تحولًا نوعيًا ينقل هذا الملف من منطق الأعراف والتمثيل الفردي إلى منطق المؤسسة والمشاركة والتنمية. وهو خيار استراتيجي يعزز الأمن العقاري، ويكرس المساواة، ويجعل من الأراضي الجماعية أداة للعدالة الاجتماعية بدل أن تبقى عنوانًا للإقصاء والصراع.