من حماية الطفولة في فرنسا إلى فوضى التشهير والابتزاز بالمغرب: اختبار القيم في الفضاء الرقمي

ثوابت – تحليل حقوقي

من حماية الطفولة في فرنسا إلى فوضى التشهير والابتزاز بالمغرب: اختبار القيم في الفضاء الرقميفرنسا تحسم تشريعيًا: حماية الطفولة كمسؤولية عمومية

صادق البرلمان الفرنسي، أمس، على قانون يمنع الأطفال دون سن 15 سنة من الولوج إلى منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة اعتُبرت تحولًا نوعيًا في تعاطي الدولة مع المخاطر الرقمية التي تهدد الطفولة. هذا القرار، الذي جاء بعد نقاشات حادة داخل المؤسسات التشريعية، يعبّر عن وعي متزايد بأن الفضاء الرقمي لم يعد مجالًا محايدًا، بل بيئة قد تُنتج أضرارًا نفسية واجتماعية جسيمة إذا تُركت دون تنظيم.

البرلمان الأوروبي وسياق أوروبي متحوّل

لا يمكن فصل الخطوة الفرنسية عن السياق الأوروبي الأوسع، حيث سبق للبرلمان الأوروبي أن صادق على توصيات تدعو إلى تحديد سنّ الولوج إلى وسائل التواصل الاجتماعي في 16 سنة، مع تشديد مسؤولية المنصات الرقمية في حماية القاصرين. ورغم الطابع غير الإلزامي لهذه التوصيات، فإنها تعكس تحوّلًا في الفلسفة الحقوقية الأوروبية من منطق “الحرية الرقمية المطلقة” إلى منطق التوازن بين الحرية والحماية.

تجارب دولية متقاطعة: من أوروبا إلى أستراليا

فرنسا ليست استثناءً، فقد سبقتها أستراليا بتشريع صارم يمنع القاصرين دون 16 سنة من استخدام وسائل التواصل، بينما تناقش دول أوروبية أخرى، كإسبانيا وألمانيا وإيطاليا، إجراءات مماثلة. القاسم المشترك بين هذه التجارب هو الاعتراف بخطورة المنصات الرقمية على الفئات الهشة، لكن الاختلاف يظل قائمًا حول مستوى الضمانات الحقوقية وآليات التطبيق.

الإشكال الحقوقي: حين تتحول الحماية إلى مراقبة

رغم وجاهة هدف حماية الأطفال، يثير هذا التوجه التشريعي أسئلة حقوقية عميقة، خاصة ما يتعلق بالحق في الخصوصية، وآليات التحقق من السن، وإمكانية توسيع المراقبة الرقمية. فالحماية المشروعة لا ينبغي أن تتحول إلى مساس غير متناسب بالحقوق والحريات، ولا إلى نقل مسؤولية فشل التنظيم العمومي إلى المستخدمين بدل مساءلة المنصات العملاقة.

المغرب والفضاء الرقمي: تسيّب بلا حماية

في المغرب، يبدو النقاش أكثر إلحاحًا، ليس بسبب وجود تشريعات صارمة، بل بسبب غيابها أو تطبيقها الانتقائي. فالفضاء الرقمي يعرف حالة تسيّب مقلقة، تتجلى في الانتشار الواسع للتشهير، والابتزاز التشهيري، والتفاهة الإجرامية، والعنف الرمزي، في ظل غياب سياسة عمومية واضحة لحماية الأطفال والمجتمع، وضعف الردع، وتفاوت صارخ في إنفاذ القانون.

ملفات التشهير التي نتابعها: الوقائع أخطر من النقاش النظري

الملفات الحقوقية المتعلقة بالتشهير والابتزاز الرقمي، التي نتابعها ميدانيًا، تكشف أن الأطفال والمراهقين ليسوا فقط متلقين سلبيين، بل ضحايا مباشرين أو أدوات مستغلة داخل شبكات منظمة، تُمارس التشهير والابتزاز تحت غطاء “صناعة المحتوى” أو “الترفيه”. هذه الوقائع تُظهر أن الخطر الرقمي في المغرب لم يعد افتراضيًا، بل واقعيًا وموثقًا، ومع ذلك يُواجه بالصمت أو بالتعامل الانتقائي.

ازدواجية المعايير: حماية الأخلاق أم توظيفها؟

الأخطر من التسيّب هو التمييز في تطبيق القانون. فبينما تُترك منصات التفاهة والتشهير تعيث فسادًا دون مساءلة حقيقية، يتم التضييق على أصوات حقوقية وصحفية ناقدة، باسم القانون نفسه. هذه الازدواجية تُقوّض أي خطاب رسمي عن حماية القيم أو الطفولة، وتحول القانون من أداة حماية إلى أداة انتقائية.

منع أم إصلاح؟ سؤال مغربي بامتياز

لا يمكن للمغرب أن يستنسخ النموذج الفرنسي أو الأوروبي بمنطق الحظر التقني، دون معالجة جذور الأزمة: غياب الحكامة الرقمية، ضعف حماية الضحايا، الإفلات من العقاب في جرائم التشهير والابتزاز، وغياب التربية الرقمية. فالمعركة ليست ضد التكنولوجيا، بل ضد تحويلها إلى أداة للإيذاء والابتزاز وتطبيع الرداءة.

خلاصة: المعركة على القيم لا تُربح بالانتقائية

إن ما تطرحه التجربة الفرنسية والأوروبية هو سؤال المعنى قبل سؤال المنع: كيف نحمي الأطفال دون تدمير الحقوق؟ وكيف نضبط الفضاء الرقمي دون تحويله إلى مجال مراقبة أو انتقام انتقائي؟ في المغرب، حماية الطفولة تمرّ أولًا عبر تفكيك شبكات التشهير والابتزاز التي نتابعها، وتطبيق عادل وغير انتقائي للقانون، وبناء سياسة عمومية رقمية تُعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية، طفلًا كان أو راشدًا.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *