أعاد انعقاد منتدى دافوس الاقتصادي العالمي لسنة 2026 النقاش الدولي حول مستقبل الديمقراطية في عالم يشهد تركّزًا غير مسبوق للثروة والسلطة بيد أقلية ضيقة من المليارديرات. هذا النقاش، الذي غذّته تقارير دولية وتحذيرات الحركة النقابية العالمية، لا يظل حبيس السياق الغربي، بل يمتد إلى بلدان الجنوب، ومنها المغرب، حيث تتقاطع الفوارق الاجتماعية مع هشاشة الحماية الاجتماعية وتراجع الثقة في المؤسسات.
الثروة المفرطة كسلطة سياسية: تشخيص عالمي بامتدادات مغربية
تشير المعطيات الواردة في تقرير منظمة أوكسفام «مقاومة حكم الأثرياء» إلى أن عدد المليارديرات في العالم تجاوز عتبة 3000 شخص، في وقت كان فيه 3.83 مليار إنسان، أي ما يعادل 48 في المائة من سكان العالم، يعيشون في الفقر سنة 2022. كما ارتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي بنسبة 42.6 في المائة بين سنتي 2015 و2024، ليصل إلى 683 مليون شخص، من بينهم 92 مليونًا في أوروبا والولايات المتحدة.
ويكشف التقرير مفارقة صارخة مفادها أن أغنى 12 مليارديرًا في العالم باتوا يمتلكون ثروة تفوق ما يملكه 50 في المائة من سكان المعمورة مجتمعين. هذه المعطيات لا تعكس فقط خللًا اقتصاديًا، بل تُترجم، وفق الكونفدرالية النقابية الدولية، إلى نفوذ سياسي مباشر، حيث تُستعمل الثروة للتأثير في التشريعات، والسياسات العمومية، والأنظمة الضريبية، والتحكم في الإعلام والتكنولوجيا.
«انقلاب المليارديرات» وتآكل الديمقراطية
تؤكد الكونفدرالية النقابية الدولية، على لسان أمينها العام لوك تريانغل، أن العالم يشهد «انقلابًا منسقًا للمليارديرات على الديمقراطية». فالثروة المفرطة تتحول عمدًا إلى سلطة سياسية تُستعمل لإضعاف المؤسسات الديمقراطية وتقويض الحقوق النقابية والحريات الجماعية. ويشير التقرير إلى أن البلدان التي تعرف أعلى مستويات اللامساواة الاجتماعية تكون معرضة لتآكل ديمقراطي يصل إلى سبعة أضعاف مقارنة بالدول الأقل تفاوتًا، حيث تلجأ الحكومات إلى القمع بدل إعادة التوزيع لمعالجة الاختلالات الاجتماعية.
المال والسياسة: أسئلة حارقة في السياق المغربي
على المستوى السياسي، يكشف التقرير أن نحو مئة عائلة من أصحاب المليارات في الولايات المتحدة موّلت سدس مجموع الإنفاق الانتخابي. ورغم اختلاف السياق، فإن هذه المعطيات تطرح في المغرب أسئلة مشروعة حول دور المال في السياسة، وتكافؤ الفرص الانتخابية، وحدود تأثير النفوذ الاقتصادي على القرار العمومي، في ظل تراجع المشاركة السياسية وتآكل الثقة في المؤسسات التمثيلية.
النساء والعمل غير المؤدى عنه: هشاشة عالمية بوجه محلي
يسلط التقرير الضوء على واقع العمل غير المرئي، حيث تقوم النساء عالميًا بإنجاز 12.5 مليار ساعة من أعمال الرعاية غير المؤدى عنها يوميًا، وهو ما يمثل مساهمة اقتصادية تُقدّر بـ10.800 مليار دولار سنويًا. وفي المغرب، يشكل هذا العمل غير المعترف به أحد أعمدة الهشاشة الاجتماعية، حيث تتحمل النساء العبء الأكبر داخل الأسر والمجتمع، في ظل ضعف سياسات المساواة والحماية الاجتماعية، ما يعمّق الفوارق الاقتصادية والنوع الاجتماعي.
التكنولوجيا والإعلام: التحكم في الرأي العام
تحذّر الكونفدرالية النقابية الدولية من الدور المتنامي لشركات التكنولوجيا الكبرى في تسهيل ما تسميه «انقلاب المليارديرات»، إذ يسيطر هؤلاء على أكثر من نصف وسائل الإعلام العالمية، وعلى 9 من أصل 10 من كبريات شركات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى 8 من أصل 10 من أكبر شركات الذكاء الاصطناعي. هذا التحكم في المعلومة والرأي العام يكتسي أهمية خاصة في المغرب، حيث أصبحت المنصات الرقمية فضاءً مركزيًا للنقاش العمومي، وفي الوقت نفسه مجالًا للتضليل والتوجيه، في غياب إطار قانوني ديمقراطي متوازن يحمي حرية التعبير والحقوق الرقمية.
الحوار الاجتماعي والعدالة الجبائية: جوهر الأزمة
تؤكد الحركة النقابية العالمية أن الأزمة ليست أزمة موارد، بل أزمة توزيع. وهو ما ينسحب على السياق المغربي، حيث تظل العدالة الجبائية أحد أعقد الإشكالات البنيوية. فغياب نظام ضريبي عادل وتقدمي يساهم في تحميل الفئات المتوسطة والضعيفة العبء الأكبر، ويقوّض أسس تمويل الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتقاعد. وفي ظل تعطّل الحوار الاجتماعي أو تفريغه من مضمونه، تتفاقم هشاشة الشغل وتضعف القدرة الشرائية، ما يغذي الاحتقان الاجتماعي.
النقابات والحركات الاجتماعية: آخر خطوط الدفاع الديمقراطي
رغم ما تواجهه النقابات المغربية من تفتيت وتضييق، تؤكد التجربة الوطنية، كما المعطيات الدولية، أن النقابات تشكل أحد آخر خطوط الدفاع عن الديمقراطية الاجتماعية. فعندما تُحترم الحرية النقابية والتفاوض الجماعي، تتراجع الفوارق الاجتماعية، وتتعزز الثقة في المؤسسات، وتصبح الديمقراطية أكثر صلابة. أما إضعاف العمل النقابي والحركي، فلا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى انفجارات اجتماعية مؤجلة.
خاتمة سياسية – هيئة تحرير ثوابت
إن الأرقام والمعطيات التي يكشفها النقاش العالمي حول «حكم الأثرياء» تضع المغرب أمام مسؤوليات واضحة. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود الانتخابات، بل بمدى قدرتها على الحد من الفوارق، وضمان العدالة الاجتماعية، وحماية الحقوق النقابية، وتوزيع الثروة بشكل منصف. وترى هيئة تحرير موقع ثوابت أن الرهان اليوم هو الانتقال من تدبير اجتماعي ظرفي إلى بناء عقد اجتماعي جديد، عادل وشجاع، يعيد الاعتبار للعمل النقابي والحركات الاجتماعية كقوى اقتراح ومراقبة، لا كخصوم ينبغي تحييدهم. فمستقبل المغرب، كما مستقبل العالم، يجب أن تصنعه إرادة الشعوب والعمال، لا منطق الثروة والامتيازات.