ثوابت -تحليل-
أعادت الواقعة الأخيرة، التي قام فيها هشام جيراندو بإعادة نشر معطيات قُدمت له دون أي تحقق أو تمحيص، فتح النقاش حول أزمة المصداقية في الخطاب الذي يُقدَّم للرأي العام على أنه “معارضة” أو “فضح”. غير أن خطورة هذه الحالة لا تتوقف عند حدود سقوط فرد في نقل معلومات غير دقيقة، بل تمتد لتتقاطع بشكل مباشر مع ملف أوسع وأخطر، هو ملف الإفلات من العقاب في قضايا التشهير، والذي يُعد المشهّر تحفة أحد أبرز تجلياته.
إن ما كشفته هذه الواقعة هو أن جيراندو لا يشتغل بمنهج التحقيق أو التحقق، بل بمنطق إعادة النشر والتلقّي السلبي لما يُقال له، دون فحص المصادر أو مساءلة السياق أو تقدير العواقب. وهو السلوك نفسه الذي يقوم عليه خطاب التشهير الذي مارسه ويمارسه تحفة، والقائم على إطلاق اتهامات خطيرة، وتداول ادعاءات جسيمة، دون سند قضائي أو وقائع ثابتة، ودون تحمل أي مسؤولية قانونية أو أخلاقية.
ومن هذا المنطلق، فإن انتقاد تحفة لجيراندو لا يشكّل موقفًا أخلاقيًا أو مبدئيًا، بل يعكس قمة التناقض، لأن الطرفين يشتركان في المنهج ذاته، وإن اختلفت المواقع والخطابات. فكلاهما يعتمد على التسريبات غير الموثقة، وكلاهما يتعامل مع الاتهام كحقيقة، ومع الإشاعة كخبر، ومع التشهير كأداة تأثير. والفرق الوحيد هو أن تحفة، إلى حدود الآن، يستفيد من إفلات غير مفهوم من المتابعة القضائية، رغم خطورة الأفعال المنسوبة إليه، في حين يتعرض غيره للانكشاف أمام الرأي العام عند أول اختبار.
إن هذا التناقض لا يمكن فهمه إلا في إطار أزمة أعمق، تتعلق بغياب الحزم في مواجهة التشهير، وبتراخي تطبيق القانون، وهو ما يفتح الباب أمام ممارسة انتقائية للمساءلة، حيث يُحاسَب البعض ويُترك البعض الآخر خارج دائرة المحاسبة، رغم تشابه الأفعال وخطورتها. وهذا الوضع لا يضر بالأفراد فقط، بل يُقوّض الثقة في العدالة، ويُفرغ مفهوم سيادة القانون من محتواه.
ومن الزاوية الحقوقية، فإن استمرار إفلات المشهّر تحفة من العقاب، في مقابل تصاعد خطاب التشهير وإعادة إنتاجه من طرف آخرين، يبعث برسالة خطيرة مفادها أن التشهير قد يتحول إلى ممارسة عادية بلا كلفة، وأن من يملك المنصة أو الصخب يستطيع أن يضع نفسه فوق القانون. وهو ما يفسر توسع هذه الظاهرة وتطبيعها في الفضاء الرقمي، على حساب حقوق الأفراد وكرامتهم وحياتهم الخاصة.
في المقابل، تفرض هذه الوقائع إعادة التأكيد على أن المعارضة الحقيقية لا تُبنى على التشهير، ولا على الهروب، ولا على استسهال الاتهام، بل على احترام القانون، والمطالبة بتغييره حين يكون معيبًا، من داخل المجتمع وبأدوات مشروعة، وبخطاب مسؤول، وبالاستعداد لتحمل كلفة الموقف. فالمعارضة ليست ادعاءً بلا ماضٍ نضالي، ولا بطولة افتراضية بلا ثمن، بل ممارسة أخلاقية وسياسية لها قواعدها وحدودها.
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس سقوط هذا أو ذاك في تناقضه، بل استمرار الإفلات من العقاب، لأن ذلك هو ما يسمح بتكاثر النسخ، وتعميم الرداءة، وتحويل النقاش العمومي إلى ساحة تشهير بدل أن يكون فضاءً للمساءلة والإصلاح. ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين جيراندو وتحفة، بل بين منطق سيادة القانون ومنطق الفوضى الخطابية التي لا رابح فيها سوى الإفلات من المحاسبة.