وضوح الرؤية المغربية مقابل ارتباك النظام الجزائري: قراءتان متناقضتان للحرب بين إيران والولايات المتحدة

ثوابت -تحليل

لحظة كاشفة لاختبار المواقف

أعادت الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران رسم خطوط الاصطفاف السياسي في عدد من مناطق العالم، وكشفت في شمال إفريقيا عن تباين صارخ بين الموقف المغربي الذي اتسم بالوضوح والاستقرار الاستراتيجي، والموقف الجزائري الذي بدا مرتبكًا ومترددًا، بل ومتلبسًا بتناقضات عميقة تعكس أزمة رؤية داخلية أكثر مما تعكس موقفًا دبلوماسيًا محسوبًا.

المغرب: ثبات في الخيارات ووضوح في التحالفات

فالمغرب تعامل مع التطورات الجارية انطلاقًا من ثوابت سياسية واضحة راكمها خلال السنوات الأخيرة، قائمة على تحالفات معلنة وخيارات استراتيجية غير قابلة للمناورة الظرفية. فالرباط لم تجد نفسها مضطرة إلى إعادة صياغة خطابها أو البحث عن موقع جديد داخل الأزمة، لأن موقفها من السياسات الإيرانية كان محسومًا منذ قرار قطع العلاقات مع طهران سنة 2018، وهو قرار لم يكن ظرفيًا بل جاء في سياق رؤية أمنية وسياسية تعتبر استقرار المنطقة واحترام السيادة الوطنية خطوطًا حمراء. لذلك بدا الموقف المغربي منسجمًا مع شراكاته الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة، دون حاجة إلى خطابات شعبوية أو ازدواجية في الرسائل الدبلوماسية.

الجزائر: حياد معلن واصطفاف مضمر

في المقابل، ظهر النظام الجزائري في حالة ارتباك سياسي واضح، إذ حاول الجمع بين خطاب “الحياد” التقليدي وبين علاقات سياسية وإيديولوجية مع أطراف مرتبطة بالمحور الإيراني، ما جعل موقفه فاقدًا للوضوح ومفتقرًا للاتساق. فبينما تتجه أغلب الدول إلى تحديد مواقعها بوضوح داخل نظام دولي يتجه نحو الاستقطاب، اختارت الجزائر خطابًا ضبابيًا يعكس خوفًا من اتخاذ موقف صريح قد يكشف حدود قدرتها على المناورة الدولية.

سلوك دبلوماسي متقلب وفقدان للمبادرة

هذا التردد لم يكن مجرد خيار دبلوماسي، بل بدا أقرب إلى سلوك حربائي يسعى إلى التكيف مع موازين القوى المتغيرة دون امتلاك رؤية استراتيجية مستقلة. فالنظام الجزائري، الذي يرفع شعار السيادة ورفض التدخلات الأجنبية، يجد نفسه في مفارقة سياسية حين يلتزم الصمت أو الغموض تجاه أزمات كبرى تمس حلفاءه المفترضين، ما يعزز الانطباع بأن سياسته الخارجية تُدار بردود الفعل لا بالمبادرة.

بين الواقعية السياسية والخطاب الأيديولوجي

ويكشف هذا التباين أن المغرب تبنى دبلوماسية تقوم على وضوح التحالفات واستقرار الخيارات، وهو ما يمنحه مصداقية أكبر داخل النظام الدولي، في حين تبدو الجزائر أسيرة خطاب أيديولوجي قديم لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الجيوسياسية المتسارعة. فالعالم اليوم لا يكافئ الدول التي تحاول الوقوف في كل المواقع في الوقت نفسه، بل تلك التي تمتلك شجاعة تحديد موقعها بوضوح.

نظام دولي جديد لا يحتمل الغموض

كما أن الأزمة الحالية أبرزت فارقًا جوهريًا بين نموذجين في إدارة السياسة الخارجية: نموذج مغربي يعتمد الواقعية السياسية وتراكم الثقة الدولية، ونموذج جزائري يعيش تناقضًا دائمًا بين خطاب ثوري موروث وواقع دولي يفرض براغماتية لم يستطع النظام الجزائري استيعابها بعد. لذلك بدا الموقف الجزائري متأخرًا عن إيقاع الأحداث، وكأنه ينتظر نتائج الصراع قبل اختيار اللغة المناسبة، وهو ما يضعف حضوره الدبلوماسي ويحد من تأثيره الإقليمي.

الخلاصة: وضوح يكسب الثقة وارتباك يفقدها

في المحصلة، لم تكشف الحرب بين واشنطن وطهران فقط عن صراع دولي بعيد جغرافيًا، بل عرّت أيضًا الفارق بين دولة حسمت خياراتها الاستراتيجية وتتحرك بثقة داخل النظام الدولي، وأخرى ما تزال تبحث عن موقعها بين المحاور، تتأرجح بين الخطاب والممارسة، وتدفع ثمن غياب رؤية واضحة في عالم لم يعد يتسامح مع الغموض السياسي.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *