مواطنون بدرجتين؟ تقرير دولي ينتقد التطبيق الانتقائي لقوانين المعتقد في المغرب

بقلم: يوسف المالكي

أعاد تقرير دولي متخصص، صدر اليوم، فتح النقاش حول مدى تناغم التشريعات المغربية مع المبادئ الدستورية التي تكفل حرية المعتقد. التقرير السنوي المعنون «World Watch List 2026»، الصادر عن منظمة «أوبن دورز» الدولية، سلّط الضوء على ما وصفه بفجوة قائمة بين النص القانوني والتطبيق العملي، مركزاً على مواد محددة في القانون الجنائي يرى أنها تقيّد الممارسة الحرة للشعائر الدينية للمسيحيين المغاربة.

ويقدّم التقرير قراءة مفصّلة لواقع المسيحيين المغاربة، خصوصاً المتحوّلين من خلفية إسلامية، حيث تتداخل العوامل الاجتماعية والأمنية والقانونية لتشكّل بيئة ضاغطة. ورغم الإشارة إلى تراجع ترتيب المغرب بدرجتين في التصنيف العالمي ليحتل المرتبة الثالثة والعشرين، تؤكد خلاصات التقرير أن هذا التحسّن العددي لا يعكس بالضرورة تغييراً ملموساً في الواقع اليومي، في ظل استمرار العمل بمقتضيات قانونية يعتبرها محللون مقيّدة للحريات الدينية.

الفصل 220 من القانون الجنائي: سيف قانوني معلّق فوق حرية المعتقد

يبرز التقرير أن الفصل 220 من القانون الجنائي المغربي، الذي يجرّم «محاولة زعزعة عقيدة مسلم أو تحويله إلى ديانة أخرى»، يشكّل إحدى أبرز الركائز القانونية التي تخلق مناخاً من التخويف والترقّب. ويوضح أن هذا الفصل لا يُفعَّل دائماً عبر محاكمات علنية واسعة، غير أن مجرد وجوده يُنتج أثراً رادعاً قوياً.

فالخشية من احتمال تطبيقه تدفع عدداً من المسيحيين المغاربة، سواء المتحوّلين أو المولودين على الديانة، إلى توخي الحذر الشديد في ممارسة شعائرهم، وصولاً إلى فرض رقابة ذاتية صارمة على التواصل، حتى داخل المحيط الأسري الضيق.

ويشير التحليل إلى أن هذا النص يُستعمل، في كثير من الحالات، كمرجعية غير مباشرة لتبرير إجراءات أمنية وضغوط اجتماعية. فمجرد الاشتباه في نشاط قد يُفسَّر على أنه «محاولة للتحويل الديني» يكفي، بحسب التقرير، لاستدعاء أشخاص للاستجواب أو لتعريضهم للتهديد بالمتابعة القضائية، ما يكرّس حالة من عدم اليقين القانوني ويجعل الحدود بين الممارسة الفردية للدين والنشاط التبشيري المجرَّم ضبابية وقابلة لتأويلات واسعة.

حين يتحول النص القانوني إلى أداة ضبط اجتماعي داخل الأسرة والمحيط

لا يتوقف تأثير الإطار القانوني، وفق التقرير، عند حدود المؤسسات الرسمية، بل يمتد إلى البُنى الاجتماعية التقليدية. ففي حالات عديدة، لا تستدعي ممارسة الضغط اللجوء إلى القضاء، إذ يكفي التلويح بالإبلاغ إلى السلطات استناداً إلى هذه المواد القانونية ليصبح وسيلة فعّالة لإسكات الأفراد أو دفعهم إلى التخلي عن ممارستهم الدينية، أو حتى مغادرة محيطهم الاجتماعي.

ويظهر هذا التداخل بين القانون والمجتمع بشكل أوضح في وضعية النساء المتحوّلات، اللواتي يجدن أنفسهن، حسب التقرير، في وضع بالغ الهشاشة. فإضافة إلى مخاطر الطلاق التعسفي أو الحرمان من الأطفال، قد يُستعمل الخوف من العواقب القانونية ذريعة للحبس المنزلي أو لتقييد حركتهن ومنعهن من الاختلاط بالآخرين، تحت مبرر «حمايتهن» من إدخال الأسرة في نزاعات مع السلطات.

تطبيق انتقائي للقانون يكرّس واقع «مواطنين بدرجتين»

ينتقل التقرير إلى تسليط الضوء على ما يعتبره تطبيقاً انتقائياً وغير متكافئ لقوانين المعتقد. فالضغوط والمخاطر القانونية لا تطال جميع المسيحيين بالقدر نفسه.

فالمسيحيون الأجانب، رغم خضوعهم للمراقبة واحتمال الترحيل في حال الاشتباه في أنشطة تبشيرية، يتمتعون عملياً بهامش أوسع من الحرية في الوصول إلى أماكن العبادة الرسمية المعترف بها، والتي يُقيَّد دخولها قانوناً بغير المسلمين من الأجانب.

في المقابل، يجد المواطن المغربي المسيحي نفسه في وضعية رمادية، مطالباً بالامتثال لقوانين قد تُجرّم ما يُعتبر «تبشيراً»، ومحرُوماً في الوقت ذاته من الاعتراف القانوني بكنائس أو فضاءات عبادة خاصة به، تمكّنه من ممارسة شعائره بشكل جماعي وآمن.

ويطرح هذا الواقع، بحسب التقرير، تساؤلات جدية حول مبدأ المساواة أمام القانون، ويغذّي شعوراً بالتهميش والوصم داخل شريحة من المواطنين.

حرية مكفولة على الورق ومقيّدة في الممارسة اليومية

ويخلص تقرير «World Watch List 2026» إلى أن إشكالية حرية المعتقد في المغرب لا ترتبط فقط بصياغة النصوص الدستورية، بل بطبيعة القوانين التنظيمية وكيفية تأويلها وتطبيقها.

فاستمرار العمل بمقتضيات مثل الفصل 220 من القانون الجنائي، حتى مع محدودية تطبيقه الزجري، يخلق مناخاً دائماً من الخوف ويُستعمل كأداة ضغط غير مباشر.

ويرسم التقرير صورة لواقع مزدوج، يعيش فيه عدد من المسيحيين المغاربة، وخصوصاً المتحوّلين، بين ممارسة إيمانهم في الخفاء تفادياً للعواقب القانونية والاجتماعية، وبين خطاب دستوري يعلن حماية حرية المعتقد.

هذا التناقض، كما تبرز خلاصاته، يضع المغرب أمام سؤال جوهري يتعلق بكيفية التوفيق بين حماية الهوية الدينية للأغلبية كما يراها المشرّع، وضمان الحقوق الكاملة والمتساوية للأقليات في ممارسة معتقداتها دون خوف أو إكراه.

24ساعته
مواضيع ذات صلة

Subscribe now to the Hespress newspaper newsletter, to receive the latest news daily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *